فضل يوم عرفة.

 🕋 في رحاب ذي الحجة

فضلُ يومِ عرفة

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا محمدٍ ﷺ، وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين.

قال رسولُ اللهِ ﷺ:
«إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا»
رواه الطبراني، وحسَّنه بعضُ أهلِ العلم.

وسُئِلَ ابن القيم رحمه الله: أيُّهما أفضل: العشرُ الأواخرُ من رمضان أم العشرُ الأُوَلُ من ذي الحجة؟
فقال رحمه الله:
«أيامُ عشرِ ذي الحجةِ أفضلُ من أيامِ العشرِ من رمضان، وليالي العشرِ الأواخرِ من رمضان أفضلُ من ليالي عشرِ ذي الحجة»؛ وذلك لأنَّ في ليالي رمضان ليلةَ القدر، وفي أيامِ ذي الحجة يومَ عرفة.

وقد نالتِ العشرُ الأُوَلُ من ذي الحجة هذه المنزلةَ العظيمةَ لأسبابٍ كثيرة، منها:

• أنَّ اللهَ تعالى سمَّاها بالأيامِ المعلومات، فقال سبحانه:
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28].

• وأنَّ اللهَ أقسم بها في كتابه الكريم، فقال تعالى:
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2].

• أنَّ العملَ في هذه الأيامِ أفضلُ عند اللهِ تعالى من الجهادِ في سبيله؛
فقد روى البخاريُّ عن ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ:
«ما العملُ في أيَّامٍ أفضلُ من هذه العشر؟»
قالوا: ولا الجهادُ؟
قال: «ولا الجهادُ، إلَّا رجلٌ خرج يُخاطِرُ بنفسِه ومالِه فلم يرجعْ بشيءٍ».

• أنَّ هذه الأيامَ هي أعظمُ الأيامِ عند اللهِ تعالى، وأنَّ العملَ فيها أحبُّ الأعمالِ إلى الله سبحانه؛
فقد روى الإمامُ أحمدُ في «المسند»، وصحَّحه الشيخُ أحمدُ شاكر رحمه الله، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضي اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ:
«ما مِن أيَّامٍ أعظمُ عند اللهِ، ولا أحبُّ إليه العملُ فيهنَّ من هذه الأيامِ العشرِ، فأكثروا فيهنَّ من التهليلِ والتكبيرِ والتحميد».

• وفي هذه الأيامِ تجتمعُ أمهاتُ العبادات من صلاةٍ، وصيامٍ، وصدقةٍ، وحجٍّ، وذكرٍ لله تعالى.

ثم يأتي مسكُ ختامِ هذه الأيامِ المباركة، وتاجُها الأعظم، ألا وهو يومُ عرفة؛ ذلك اليومُ الذي جمع اللهُ فيه من الفضائلِ والأجورِ ما لم يجتمعْ في غيره.

فضائلُ يومِ عرفة:

١- أنَّه ركنُ الحجِّ الأعظم؛

عن عبدِ الرحمنِ بنِ يَعْمُرَ رضي اللهُ عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
«الحجُّ عرفة»
رواه الترمذيُّ والنسائيُّ وأبو داود، وصحَّحه الألباني.

فلا يصحُّ حجُّ الحاجِّ إلا بالوقوفِ بعرفة.

٢- أنَّه يومُ المباهاة؛

فعن عبدِ اللهِ بنِ عمرو رضي اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
«إنَّ اللهَ يُباهي ملائكتَه عشيةَ عرفةَ بأهلِ عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شُعثًا غُبرًا»
رواه أحمد، وصحَّحه الألباني.

فاللهُ سبحانه يُباهي بأهلِ الطاعةِ والإنابةِ ملائكتَه الكرام.

٣- أنَّه يومُ العتقِ من النار؛

فعن أمِّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي اللهُ عنها أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
«ما من يومٍ أكثرَ من أن يُعتقَ اللهُ فيه عبدًا من النارِ من يومِ عرفة، وإنَّه ليدنو ثم يُباهي بهم الملائكة»
رواه مسلم.

٤- أنَّه يومُ مغفرةِ الذنوب؛

فعن أبي هريرة رضي اللهُ عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
«مَن حجَّ فلم يرفثْ ولم يفسقْ رجع كيومِ ولدته أمُّه»
رواه البخاري ومسلم.

وروى مسلمٌ في صحيحه عن عمرو بن العاص رضي اللهُ عنه قال:
أتيتُ النبيَّ ﷺ لأبايعَه، فبسط يدَه، فقبضتُ يدي، فقال:
«ما لك يا عمرو؟»
قلتُ: أردتُ أن أشترط.
قال: «تشترطُ بماذا؟»
قلتُ: أن يُغفرَ لي.
فقال ﷺ:
«أما علمتَ أنَّ الإسلامَ يهدمُ ما كان قبله، وأنَّ الهجرةَ تهدمُ ما كان قبلها، وأنَّ الحجَّ يهدمُ ما كان قبله».

فالحجُّ المبرورُ سببٌ لمغفرةِ الذنوبِ ومحوِ السيئات.

٥- أنَّ فيه خيرَ الدعاء؛

فعن عبدِ اللهِ بنِ عمرو رضي اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
«خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قدير»
رواه الترمذيُّ، وحسَّنه الألباني.

فينبغي للمسلمِ أن يُكثرَ فيه من الدعاءِ والذكرِ والاستغفار.

٦- أنَّه يومُ إكمالِ الدين؛

قال اللهُ تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

وعن عمر بن الخطاب رضي اللهُ عنه أنَّ رجلًا من اليهود قال له:
يا أميرَ المؤمنين، آيةٌ في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشرَ اليهود نزلت لاتخذنا يومَ نزولها عيدًا.
قال: أيُّ آية؟
قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
فقال عمرُ رضي اللهُ عنه:
«إنِّي لأعلمُ اليومَ الذي نزلتْ فيه، والمكانَ الذي نزلتْ فيه، نزلتْ على رسولِ اللهِ ﷺ وهو قائمٌ بعرفةَ يومَ جمعة»
رواه البخاري ومسلم.

٧- أنَّ صيامَه يُكفِّرُ سنتين؛

فعن أبي قتادة رضي اللهُ عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
«صيامُ يومِ عرفة أحتسبُ على اللهِ أن يُكفِّرَ السنةَ التي قبله والسنةَ التي بعده»
رواه مسلم.

وذلك لغيرِ الحاجِّ، أمَّا الحاجُّ فالسُّنَّةُ في حقِّه أن يكون مفطرًا؛ ليتقوَّى على الدعاءِ والذكر.

خاتمة:

فيا عبادَ الله، هذا يومٌ عظيمٌ من أعظمِ أيامِ الدنيا، يومُ مغفرةٍ ورحمةٍ وعتقٍ من النار، يومٌ تُجابُ فيه الدعوات، وتُرفعُ فيه الدرجات، وتُمحى فيه السيئات.

فاغتنموا هذا اليومَ المباركَ بالصيام، والذكر، والدعاء، وقراءةِ القرآن، والتوبةِ الصادقة؛ لعلَّ اللهَ أن يجعلنا وإيَّاكم من المقبولين الفائزين.

وصلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ على سيِّدِنا محمدٍ ﷺ، وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اقرأ أيضًا:

• فضل العشر الأولى من ذي الحجة.   https://helmy68.blogspot.com/2026/05/blog-post_14.html

• صلاة وخطبة عيد الأضحى المبارك.   https://helmy68.blogspot.com/2026/05/blog-post_659.html

• بشرى عظيمة لجميع المسلمين في يوم عرفة.   https://helmy68.blogspot.com/2026/05/blog-post_639.html

• أعمال يوم عيد الأضحى المبارك.   https://helmy68.blogspot.com/2026/05/blog-post_337.html

• تهنئة بعيد الأضحى المبارك.   https://helmy68.blogspot.com/2026/05/blog-post_772.html

• كبروا.. كبروا..   https://helmy68.blogspot.com/2026/05/blog-post_936.html

• لا تحزن.   https://helmy68.blogspot.com/2026/05/blog-post_28.html

• لا يدخل الجنة إلا مؤمن.   https://helmy68.blogspot.com/2026/06/blog-post_517.html

• أعظم وثيقة لحقوق الإنسان.   https://helmy68.blogspot.com/2026/06/blog-post_08.html

تعليقات

إرسال تعليق

يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صلوا على النبي ﷺ.

لماذا ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ ...﴾؟ أولاً: لأنه هو عليه السلام الذي سعى باحثًا عن ربه.

مناسك الحج