غَرَّهُمْ.
✒️ من غرائب ألفاظ القرآن وعجائب معانيها
الحلقة التاسعة والأربعون: غَرَّهُمْ.
قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 24]
ما معنى ﴿غَرَّهُمْ﴾؟
غَرَّهُ الشيء أي: خدعه وأوقعه في الغرور، فجعله يطمئن إلى أمرٍ ليس كما ظنه.
ومعنى الآية: أن ما كانوا يختلقونه من الأكاذيب والافتراءات في أمر دينهم خدعهم وأوقعهم في الوهم، حتى اطمأنوا إلى أن النار لن تمسهم إلا أيامًا قليلة.
من غرائب الكلمة
الغرور ليس مجرد كذبة عابرة؛ بل هو خداع يترتب عليه اطمئنان الإنسان إلى أمر باطل.
وهذا هو سر اختيار القرآن لكلمة: ﴿وَغَرَّهُمْ﴾
فالمشكلة لم تكن في مجرد وجود قول باطل، بل في أن هذا القول أثّر فيهم حتى اطمأنوا إليه.
لمسة لغوية
تدور مادة (غ ر ر) حول معنى النقص والخطر والخداع، ومنه الغُرور؛ لأنه يجعل الإنسان يرى الأمر على غير حقيقته، فيأمن حيث ينبغي أن يحذر.
ولذلك يقال: غَرَّهُ الأمل؛ أي جعله يأمن ويطمع فيما لا ينبغي أن يأمن منه.
لمسة بيانية
تأمل ترتيب الآية: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾
ثم: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
فبيّن الله أن هذه الأماني لم تكن مبنية على حق، وإنما كان سببها ما اختلقوه من الباطل.
وهنا تظهر خطورة أن يكرر الإنسان فكرة باطلة حتى يطمئن إليها، ثم يبني عليها موقفه من الله والآخرة.
فائدة إيمانية
من أخطر ما ينبغي أن يحذر منه المؤمن الاغترار بالأماني الدينية؛ فلا يكفي أن يتمنى الإنسان المغفرة والنجاة، بل لا بد أن يصحح اعتقاده ويعمل بطاعة الله.
فالرجاء الصادق يدفع إلى العمل، أما الغرور فيُورث التهاون.
خلاصة الحلقة
- غَرَّهُمْ: خدعهم وأوقعهم في الوهم والاطمئنان الباطل.
- الغرور قد يجعل الإنسان يأمن من أمرٍ ينبغي أن يخشاه.
- ربط القرآن الغرور بما كانوا يفترونه في دينهم.
- الأماني الباطلة قد تمنع الإنسان من مراجعة نفسه.
- الرجاء في رحمة الله لا يكون ذريعة لترك العمل والطاعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي الحلقة الخمسين تتواصل رحلتنا مع لفظةٍ قرآنية جديدة، نقف معها، لنكشف بعض أسرارها، في رحلتنا مع من غرائب ألفاظ القرآن وعجائب معانيها، وفق ترتيب المصحف. فتابعونا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.