صدق مقصدهﷺ وإسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما.
🌿 في رحاب السيرة النبوية
اللقاء الحادي عشر: صدق مقصدهﷺ وإسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: 21].
وعن عطاء بن يسار رحمه الله قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. فقال: «أجل، والله، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي، إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سَخَّابٍ في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا». رواه البخاري.
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
لم تكن دعوة النبي ﷺ طلبًا لمالٍ أو جاهٍ أو سلطان، وإنما كانت دعوةً إلى الله تعالى، وإلى توحيده وعبادته، وإلى هداية الناس ونجاتهم.
ولما حاولت قريش أن تساومه ﷺ، وتعرض عليه المال والشرف والملك ليترك دعوته، لم يتردد ولم يتراجع، وجاء في رواية من روايات السيرة أنه ﷺ قال: «ما جئتُ بما جئتكم به أطلبُ أموالكم، ولا الشرفَ فيكم، ولا الملكَ عليكم، ولكنَّ الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغتكم رسالاتِ ربي، ونصحتُ لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليَّ أصبرْ لأمرِ الله حتى يحكمَ الله بيني وبينكم».
صدق المقصد قولًا وفعلًا
ولم يقتصر الأمر على مجرد القول، بل كانت معيشته وحياته ﷺ مطابقةً لذلك؛ فلم يُعرِض عن الزعامة والملك بلسانه ليصل إليهما خُلسةً بسعيه وعمله، بل عاش ﷺ حياةً بسيطةً زاهدةً.
قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ وما في رَفِّي من شيءٍ يأكلُه ذو كبدٍ، إلا شطرُ شعيرٍ في رَفٍّ لي...» رواه البخاري ومسلم.
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: «لم يأكلِ النبيُّ ﷺ على خِوانٍ حتى مات، وما أكلَ خبزًا مُرَقَّقًا حتى مات» رواه البخاري.
وكان ﷺ متواضعًا في عيشه وفراشه، حتى ثبت أن الحصير كان يؤثر في جنبه الشريفﷺ.
ولم تكن هذه البساطة خاصةً بالنبي ﷺ وحده، بل كانت ظاهرةً في بيته؛ فقد سألته أزواجه رضي الله عنهن التوسعة في النفقة، فخيَّرهن الله تعالى بين متاع الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة،
قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28-29].
فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة.
لم يقتصر المستجيبون على المستضعفين فحسب
ولصدقِ مقصده ﷺ قولًا وفعلًا، لم يجتمعْ إليه الفقراءُ والمستضعفون فحسب؛ فيقولَ المشكِّكون: لم يجتمعوا إليه اقتناعًا أو تصديقًا، ولكن اجتمعوا إليه أملًا في أن يُخلِّصهم من استضعافهم، وأن يُعزَّهم بعد ذُلٍّ، وأن يُغنيهم بعد فقر؛ بل نجد أن من السادة والأغنياء والأقوياء مَن استجاب لدعوة الصدق والحق، وقَبِلَها وانضمَّ إليه ﷺ، لا لشيءٍ من متاع الدنيا، ولا لمقصدٍ دنيويٍّ، وإنما توحيدًا للخالق سبحانه، وعبادةً له وحده، واتباعًا لهدي نبيِّه ﷺ؛ فاستجاب له أيضًا رجالٌ من أشراف قريش وأهل المكانة والقوة، كحمزةَ بن عبد المطلب وعمرَ بن الخطاب رضي الله عنهما.
إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه
كان حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه عمَّ رسول الله ﷺ، وكان معروفًا بالشجاعة والقوة، وكان من أشراف بني هاشم.
وقد أسلم في مكة في السنوات الأولى من الدعوة.
وتذكر كتب السيرة أن سبب إسلامه أن أبا جهل آذى رسول الله ﷺ عند الصفا، ثم بلغ حمزة رضي الله عنه ما وقع، فغضب غضبًا شديدًا، وواجه أبا جهل، وأعلن إسلامه، وصار من أقوى المدافعين عن رسول الله ﷺ وعن دعوته.
وكان لإسلامه أثر كبير في نفوس المسلمين؛ فقد وجدوا في إسلامه قوةً وحمايةً، وازداد المشركون إدراكًا أن هذا الدين لا يمكن القضاء عليه بالأذى والتخويف.
إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه
وقد ثبت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ».
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: فكان أحبَّهما إليه عمر. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وهذا الحديث يبين لنا أن النبي ﷺ كان حريصًا على قوة المسلمين، وأنه كان يدعو الله تعالى أن يعز الإسلام بمن يكون إسلامه سببًا في نفع الدعوة ونصرتها.
وتذكر كتب السيرة تفاصيل متعددة في قصة إسلامه، ومنها أنه خرج يريد رسول الله ﷺ، ثم علم بإسلام أخته وزوجها، فذهب إليهما، وقرأ شيئًا من القرآن، ثم انشرح صدره للإسلام، وذهب إلى رسول الله ﷺ فأعلن إسلامه.
كان رضي الله عنه قبل إسلامه شديدًا على المسلمين، قوي الشخصية، مهابًا في قريش، فلما شرح الله صدره للإسلام انقلبت قوته إلى نصرة للحق، وأصبح من أعظم أصحاب رسول الله ﷺ.
وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: «مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ». رواه البخاري في صحيحه.
وهذه شهادة عظيمة من أحد كبار أصحاب رسول الله ﷺ على أثر إسلام عمر رضي الله عنه في المسلمين.
فالإسلام لم يغير عمر من رجل قوي إلى رجل ضعيف، وإنما نقل قوته من طريق الباطل إلى طريق الحق، ومن مواجهة المسلمين إلى نصرة المسلمين.
كان حمزة رضي الله عنه عمَّ رسول الله ﷺ، وكان صاحب شجاعة ومكانة في قومه.
وكان عمر رضي الله عنه من أشد رجال قريش وأقواهم شخصية.
فكان إسلامُ حمزةَ رضي الله عنه عزًّا للمسلمين، وكان إسلامُ عمرَ رضي الله عنه قوةً وفتحًا لهم، فاجتمع في إسلامهما أمران عظيمان: قوة تحمي، وقوة تنصر، حتى صار الرجلان من أعظم أنصار الإسلام.
من الدروس المستفادة
🌱 أن صدق النية والمقصد من أعظم أسباب قبول العمل؛ فكلما صدق المسلم مع الله في نيته، رُجي له قبول عبادته، وأُجر على عمله الصالح.
قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» متفق عليه.
🌱 أن صدق النية والمقصد من أعظم أسباب وصول الدعوة إلى الناس والتأثر بها وقبولها.
فالصدق مع الله أساس كل عمل صالح، وبه تُبارَك الأعمال، ويعظم الأجر، وتؤتي الدعوة ثمارها.
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
إن صدق المقصد يظهر حين توافق الأقوالُ الأفعالَ، وتوافق الدعوةُ حياةَ صاحبها؛ وقد كان النبي ﷺ أصدق الناس مقصدًا، فلم يطلب بدعوته مالًا ولا جاهًا ولا مُلكًا، وإنما بلَّغ رسالة ربه، ونصح أمته، وصبر على الأذى حتى أظهر الله دينه.
اللهم اجعلنا من أهل الصدق والثبات، وارزقنا حسن الاقتداء بنبيك محمد ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.