الجهر بالدعوة وموقف قريش من الإسلام.
🌿 في رحاب السيرة النبوية
اللقاء الثامن: الجهر بالدعوة وموقف قريش من الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
وعن عطاء بن يسار رحمه الله قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا، وَمُبَشِّرًا، وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا». رواه البخاري.
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
لقد أمضى رسول الله ﷺ المرحلة الأولى في دعوة من يثق بقبولهم للحق، وتربية السابقين الأولين على الإيمان والقرآن والصبر والثبات، حتى تكوَّنت نواة مؤمنة تحمل أعباء الرسالة.
ثم جاء أمر الله تعالى لنبيه ﷺ أن يصدع بالحق، وأن ينذر عشيرته الأقربين، وأن يبلغ رسالة ربه للناس جهارًا.
وهنا بدأت مرحلة جديدة؛ مرحلةٌ ستكشف موقف قريش الحقيقي من دعوة الإسلام، وستظهر فيها صورٌ من التكذيب والاستهزاء والمقاومة، ولكنها ستكشف كذلك عن عظمة النبي ﷺ وثباته، وعن صدق الجيل الأول الذي آمن به.
الأمر الإلهي بالجهر بالدعوة
قال الله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الشعراء: 214-216].
وكان هذا الأمر الإلهي انتقالًا بالدعوة إلى مرحلة الإعلان والجهر.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الحجر: 94-96].
فلم يعد الأمر مقصورًا على الدعوة الفردية السرية، وإنما أصبح البلاغ عامًا، وأصبح رسول الله ﷺ مأمورًا بأن يعلن كلمة التوحيد، وأن يحذر الناس من الشرك والضلال.
🌱 فبدأ ﷺ بأقرب الناس إليه، تنفيذًا لأمر ربه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214].
فصعد رسول الله ﷺ على جبل الصفا، ونادى بطون قريش حتى اجتمعوا إليه.
روى عن بن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد،
فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [سورة المسد: 1-5]. رواه البخاري ومسلم.
انظر لطريقة وأسلوب عرض وإبلاغ النبي ﷺ لقومه
فقالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا.
فشهدوا بصدقهﷺ.
ثم انتقل بهم من أمرٍ دنيوي إلى أعظم قضية في الوجود، فقال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد».
فكانت القضية واضحة: محمد ﷺ الذي عرفتموه صادقًا أمينًا في أمور الدنيا، لا يمكن أن يكذب على الله تعالى في أعظم أمر يتعلق بمصير الناس.
وهنا درسٌ عظيم للداعية:
🌱 أن حسن السيرة، والصدق، والأمانة، ليست أمورًا هامشية في طريق الدعوة، بل هي من أقوى أسباب قبول الناس للحق؛ فإن الناس قد يختلفون مع الداعية فيما يدعو إليه، لكنهم لا يستطيعون إنكار صدقه وأمانته وحسن سيرته.
أما ردُّ فعل قريش، فلم يكن القبول بهذه الدعوة، بل ظهر التكذيب والرفض سريعًا، وكان أبو لهب من أشد الناس اعتراضًا على رسول الله ﷺ، فقال له: تَبًّا لك سائرَ اليوم، ألهذا جمعتنا؟
🌱 فنزلت سورة المسد، تحمل في آياتها درسًا بالغ الأهمية، وهو أن القرابة من رسول الله ﷺ لا تنفع الإنسان إذا لم يؤمن بالله ويتبع الحق.
فأبو لهب عمُّ النبي ﷺ، ومع ذلك لم تنفعه قرابته، لأن النجاة عند الله تعالى إنما تكون بالإيمان والعمل الصالح، لا بمجرد النسب والانتساب.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [سورة المؤمنون: 101].
ومع كل ذلك لم يتوقفﷺ عن دعوة قومه وإنذارهم
روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ لما نزلت عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾،
دعا قريشًا فقال: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أُغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله، لا أُغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت رسول الله، سليني من مالي ما شئت، لا أُغني عنك من الله شيئًا». رواه مسلم.
🌱 وهذا الحديث يقرر أصلًا عظيمًا: أن رسول الله ﷺ لا يملك لأحد من أمر الهداية شيئًا، وإنما الهداية بيد الله تعالى.
قال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [سورة القصص: 56].
فوظيفة الرسول ﷺ البلاغ والإنذار، وأما هداية القلوب فبيد علام الغيوب.
وسائل قريش في مواجهة الدعوة
منها:
1. السخرية والاستهزاء
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 41].
فالاستهزاء بالحق ليس جديدًا، وإنما هو طريق سلكه المكذبون مع الأنبياء من قبل.
2. التشويه والتكذيب
اتهموا رسول الله ﷺ بما ليس فيه، فتارة قالوا ساحر، وتارة شاعر، وتارة كاهن.
قال الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [سورة ص: 4].
3. محاولة إغراء النبي ﷺ
ولما رأوا ثباته ﷺ، حاولوا أن يساوموه على دعوته، وأن يعرضوا عليه المال والجاه والملك.
ومما اشتهر في كتب السيرة أن النبي ﷺ قال لعمه أبي طالب: «يا عَمِّ، واللهِ لو وضعوا الشمسَ في يميني، والقمرَ في يساري، على أن أتركَ هذا الأمرَ حتى يُظهِرَه اللهُ أو أهلكَ فيه، ما تركتُه».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكان عليه ﷺ أن يدفع بالتي هي أحسن وأن يدعو إلى الله بالعلم، والحكمة، والموعظة الحسنة.
امتثالاً لأوامر ربه سبحانه:
قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [سورة فصلت: 34].
وقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [سورة البقرة: 83].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف: 108]
وَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل: 125].
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
إن مرحلة الجهر بالدعوة تعلمنا دروسًا عظيمة:
🌱 أن الداعية يبدأ بالأقرب فالأقرب، فيدعو أهل بيته وعشيرته ومن حوله.
🌱 أن الصدق وحسن السيرة من أعظم وسائل الدعوة.
🌱 أن الهداية بيد الله، وأن وظيفة الداعية البلاغ والبيان.
🌱 أن القرابة والنسب لا يغنيان عن الإيمان والعمل الصالح.
اللهم ارزقنا صدق الاقتداء بنبيك محمد ﷺ، وثبّت قلوبنا على الإيمان، واجعلنا من الدعاة إلى سبيلك بالحكمة والموعظة الحسنة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللهم صل وسلم على خير البرية بميلاد الحبيب محمد أضى الكون ومحق الشرك بالله وانتشر الإيمان فى ربوع الدنيا اللهم أوردنا حوضه واجعله شفيعا للمؤمنين يوم العرض عليك
ردحذفصلى الله عليه وسلم
حذف