عند الحاجة يُهرَع إليه، وعندما يُهاجَم يَهجُمُ الكلُّ عليه.

❤️ الأخلاق والسلوك.

عند الحاجة يُهرَع إليه، وعندما يُهاجَم يَهجُمُ الكلُّ عليه.

ليس المقصود بهذا العنوان أن هذا الوصف ينطبق على كل الناس، ولا على كل زمان ومكان، ولكنه يصف ظاهرة تتكرر في حياة كثير من أهل الخير والدعوة والإصلاح؛ إذ يجد الناس فيهم ملجأً عند الشدائد، فإذا تعرضوا للنقد أو الظلم أو التشويه، تراجع كثير ممن انتفعوا بهم، بل ربما شارك بعضهم في الهجوم عليهم.

وهذه الظاهرة ليست جديدة، بل عرفها التاريخ، وشهدت بها نصوص الوحي، ووقعت مع الأنبياء والصالحين عبر العصور.

طبيعة البشر بين الانتفاع والوفاء

من الناس من يعرف الفضل لأهله، فيحفظ الجميل، ويدافع عن المحسن، ويقف معه في الشدائد، وهذا من مكارم الأخلاق.

ومنهم من لا يتذكر صاحب الفضل إلا عند الحاجة، فإذا قضيت حاجته انصرف عنه، وربما شارك في الإساءة إليه إذا رأى أن ذلك يحقق له مصلحة أو يجلب له قبول الناس.

قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾[الحج: 11].

فهذه الآية تبين أن بعض الناس يتغير موقفه بتغير المصالح والأحوال.

سنة الأنبياء مع أقوامهم

الأنبياء هم أكثر الناس إحسانًا إلى الخلق، ومع ذلك كانوا أكثرهم تعرضًا للأذى.

قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: 52].

ورسول الله ﷺ كان الملجأ لقومه في الشدائد، يحكم بينهم، ويقضي حوائجهم، ويواسي فقيرهم، ويعين محتاجهم، ومع ذلك اتهموه بالكذب والسحر والجنون، وآذوه وأخرجوه من بلده.

قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ [طه: 130].

العلماء والدعاة في كل عصر

وَرِث العلماء الأنبياء في البلاغ والبيان، ولذلك نالهم نصيب من الابتلاء.

فكم من عالم يقصده الناس للسؤال والفتوى، ويطلبون علمه، ويستعينون به في حل مشكلاتهم، فإذا تعرض لحملة تشويه أو لخطأ اجتهادي، سارع بعض المنتفعين منه إلى التخلي عنه، وربما انضموا إلى منتقديه دون تثبت أو إنصاف.

وليس معنى ذلك أن العلماء لا يخطئون؛ فكل أحد يؤخذ من قوله ويُرد إلا رسول الله ﷺ، لكن الإنصاف يقتضي التفريق بين الخطأ والاجتهاد، وبين النقد العلمي والتشهير.

قال الإمام مالك رحمه الله: "كلٌ يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر". وأشار إلى قبر النبي ﷺ.

الإنصاف خُلُق المؤمن

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

فالعدل لا يتغير بالحب أو البغض، ولا بالاتفاق أو الاختلاف.

ومن الوفاء أن يُذكر للمحسن إحسانه، وأن يُنصح إذا أخطأ، دون ظلم أو تشفٍّ أو إسقاط.

لا تكن من أهل الجحود

من أخطر الأخلاق أن ينتفع الإنسان بالناس ثم ينكر فضلهم.

قال النبي ﷺ: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس.» رواه الإمام أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

وشكر الناس لا يعني العصمة لهم، وإنما يعني الاعتراف بفضلهم، والدعاء لهم، والإنصاف معهم.

ماذا نصنع إذا تعرض أهل الفضل للهجوم؟

ينبغي للمسلم أن يسلك سبيل العدل، وذلك من خلال:

  • التثبت من الأخبار قبل نشرها،
  • التفريق بين الخطأ العارض والمنهج العام،
  • حفظ مكانة أهل العلم والدعوة مع عدم الغلو فيهم،
  • نصح المخطئ برفق وأدب،
  • عدم المشاركة في حملات التشهير والشماتة.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].

خاتمة

إن من الوفاء أن نتذكر فضل من أحسن إلينا، وأن لا نكون ممن يقصدون أهل الخير عند الحاجة، ثم يتركونهم أو يهاجمونهم عند المحنة.

فالعدل والوفاء من أخلاق المؤمنين، والجحود من صفات أهل النقص.

فلنحاسب أنفسنا: هل نحن ممن يحفظون الجميل، أم ممن ينسونه عند أول اختبار؟ 

عند الحاجة نهرعُ إليه، وعندما يُهاجَم نهجُمُ عليه.

ولنجعل شعارنا قول الله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اقرأ أيضاً:

• كن منصفًا.    https://helmy68.blogspot.com/2026/05/blog-post_926.html



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صلوا على النبي ﷺ.

لماذا ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ ...﴾؟ أولاً: لأنه هو عليه السلام الذي سعى باحثًا عن ربه.

مناسك الحج