حِكْمَتُهُ ﷺ في حَلِّ النِّزاعاتِ، وحُبُّهُ ﷺ للخَلْوَةِ.
🌿 في رحاب السيرة النبوية
اللقاء الخامس: حِكْمَتُهُ ﷺ في حَلِّ النِّزاعاتِ، وحُبُّهُ ﷺ للخَلْوَةِ.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
وعن عطاء بن يسار رحمه الله قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا، وَمُبَشِّرًا، وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا». رواه البخاري.
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
لقد شاء الله تعالى أن يُعِدَّ نبيه محمدًا ﷺ لحمل أعظم رسالة عرفتها البشرية، فجمع له أكمل الأخلاق، وأتمَّ الصفات، حتى عُرف بين قومه قبل البعثة بالصادق الأمين، وكان مثالًا للحكمة، ورجاحة العقل، وحسن التدبير.
▪️ومن أظهر المواقف التي تجلت فيها حكمته ﷺ حادثةُ إعادة بناء الكعبة المشرفة.
فقد تعرضت الكعبة قبل البعثة النبوية بسنوات لعدة حوادث أضعفت بنيانها، وكان من أشدها سيلٌ عظيم اجتاح مكة، فتصدعت جدرانها، وخشيت قريش أن ينهدم بيت الله الحرام، فاتفقوا على إعادة بنائه، وتعاهدوا ألا يدخلوا في نفقته مالًا حرامًا، فلا يدخل فيه ربا، ولا مهر بغي، ولا مال ظلم.
وشارك النبي ﷺ في البناء بنفسه، يحمل الحجارة على كتفه الشريف، وكان عمره يومئذ خمسًا وثلاثين سنة على الراجح، ولم يكن يأنف من العمل، بل كان يشارك قومه فيما فيه الخير، مع ما عُرف به من شرف المكانة وعلو المنزلة.
فلما انتهى البناء، بقي وضع الحجر الأسود في مكانه، وهنا وقع الخلاف بين بطون قريش، إذ أراد كل فريق أن ينال شرف وضع الحجر، واشتد النزاع حتى كاد أن يتحول إلى قتال، ومكثوا على ذلك أيامًا.
ثم اتفقوا على أن يجعلوا أول داخل عليهم إلى المسجد الحرام حكمًا بينهم، فلما رأوا رسول الله ﷺ مقبلًا، تهللت وجوههم، وقالوا جميعًا: هذا الأمين، رضينا به حكمًا.
وما إن علم ﷺ سبب اختلافهم، حتى جاء بحل عجيب يدل على كمال حكمته وحسن تدبيره؛ فأمر بثوب، فبسطه على الأرض، ثم وضع الحجر الأسود فيه بيده الشريفة، ثم دعا من كل قبيلة رجلًا، فأمسك كل واحد منهم بطرف الثوب، فحملوه جميعًا حتى بلغوا موضع الحجر، فأخذه رسول الله ﷺ بيده الكريمة ووضعه في مكانه، فرضيت القبائل كلها، وانطفأت نار الفتنة، وانتهى النزاع دون أن تُراق قطرة دم واحدة.
🌱 وهكذا علَّمنا رسول الله ﷺ أن الحكمة قد تحقن الدماء، وأن الكلمة الطيبة، وحسن التدبير، والعدل بين الناس، من أعظم أسباب الإصلاح.
وما أحوج المسلمين اليوم إلى هذا الخلق العظيم؛ فكم من خلاف بين الأقارب أو الجيران أو الزملاء أو الأزواج كان يمكن أن ينتهي لو تحلَّى أصحابه بالحكمة، وأحسنوا الاستماع، وتحاكموا إلى العدل، وابتغوا الإصلاح.
قال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128].
وقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].
ومن الحكمة أن يسمع الإنسان قبل أن يحكم، وأن يقبل النصيحة، وأن يشاور أهل الرأي، وأن يقدِّم المصلحة العامة على حظوظ النفس، فإن ذلك من أخلاق الأنبياء والصالحين.
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
وقد ثبت في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد...»
وكانت تلك الخلوة إعدادًا ربانيًا قبل نزول الرسالة، وتهيئةً للقلب ليحمل أمانة الوحي.
غير أن خلوته ﷺ لم تكن انقطاعًا عن الناس، ولا اعتزالًا للحياة، ولم تكن دعوة إلى ترك العمل أو التفريط في الحقوق، بل كان يؤدي واجباته كاملة، ويصل رحمه، ويعين المحتاج، ويشارك قومه في مصالحهم، ثم يجعل لنفسه أوقاتًا يخلو فيها بربه.
وهذا هو المنهج المتوازن الذي يحتاجه المسلم في كل زمان.
فالخلوة المشروعة تعين على محاسبة النفس، وتجديد التوبة، والإكثار من الذكر، وتلاوة القرآن، والدعاء، والتفكر في نعم الله وآلائه، ومراجعة الأعمال، واستدراك التقصير، وشكر الله على نعمه التي لا تُحصى.
أما أن يعتزل الإنسان الناس، ويضيع حقوق أهله وأولاده، أو يترك عمله بحجة الانقطاع للعبادة، فليس ذلك من هدي رسول الله ﷺ.
لقد كان ﷺ أعبد الناس لله، ومع ذلك كان زوجًا يقوم بحقوق أهله، وأبًا رحيمًا، ومربيًا، وقائدًا، ومفتيًا، وحاكمًا، ومجاهدًا في سبيل الله، يجمع بين عبادة ربه، وأداء مسؤولياته، والإحسان إلى الخلق.
🌱 وهكذا ينبغي للمسلم أن يقتدي بنبيه ﷺ، فيجعل لنفسه وقتًا يخلو فيه بربه، يراجع فيه قلبه، ويستغفر من ذنبه، ويصحح نيته، ثم يعود إلى أسرته وعمله ومجتمعه بقلب أنقى، ونفس أزكى، وعزيمة أقوى.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الحكمة في القول والعمل، وأن يطهر قلوبنا، وأن يجعلنا من المقتدين برسوله ﷺ ظاهرًا وباطنًا، وأن يحشرنا في زمرته، ويوردنا حوضه، ويرزقنا شفاعته.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.