اشتداد أذى قريش والهجرة إلى الحبشة.
🌿 في رحاب السيرة النبوية
اللقاء العاشر: اشتداد أذى قريش والهجرة إلى الحبشة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: 21].
وعن عطاء بن يسار رحمه الله قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. فقال: «أجل، والله، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي، إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سَخَّابٍ في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا». رواه البخاري.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [سورة العنكبوت: 1-3].
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
لقد رأينا في اللقاء السابق كيف اشتد أذى قريش على المؤمنين، وكيف تعرض المستضعفون منهم للتعذيب والاضطهاد، ولكنهم ثبتوا على دينهم، ولم يحملهم ما نالهم من الأذى على الرجوع عن الحق.
ومع استمرار هذا البلاء واشتداد أذى المشركين على المؤمنين، جاءت مرحلة جديدة في حياة المسلمين الأوائل؛ فقد أذن لهم رسول الله ﷺ بالهجرة إلى أرضٍ يجدون فيها الأمن، ويستطيعون أن يعبدوا الله تعالى ويحافظوا على دينهم دون أن يُفتنوا عنه.
🌱 وهنا تظهر لنا حكمة عظيمة من هدي النبي ﷺ؛ فالثبات على الدين لا يعني أن يُلقي الإنسان بنفسه إلى التهلكة، ولا أن يستسلم للأذى دون الأخذ بالأسباب، وإنما يكون الثبات مع الأخذ بالأسباب المشروعة، والبحث عن الوسائل التي تحفظ على المسلم دينه ونفسه.
وقد أرشد الله تعالى إلى الهجرة عند العجز عن إقامة الدين، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [سورة النساء: 97].
فالهجرة في سبيل الله ليست فرارًا من الدين، وإنما قد تكون وسيلةً لحفظ الدين والثبات عليه، حين لا يستطيع المؤمن إظهار دينه أو يأمن على نفسه من الفتنة.
الهجرة إلى الحبشة
لما اشتد البلاء على أصحاب رسول الله ﷺ، قال لهم: «إنَّ بأرضِ الحبشةِ مَلِكًا لا يُظلَمُ عنده أحدٌ، فالحقوا ببلادِه حتى يجعلَ اللهُ لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه».
فخرج عدد من الصحابة رضي الله عنهم مهاجرين بدينهم إلى الحبشة، وكان ذلك أول هجرة في الإسلام.
🌱 وهنا درس مهم: المحافظة على الدين مقدمة على التعلق بالأرض والوطن والمال والمكانة، فإذا خاف المسلم على دينه، شرع له أن يأخذ بالأسباب التي تحفظ عليه إيمانه.
لماذا اختيرت الحبشة؟
اختار رسول الله ﷺ الحبشة لما عُرف عن ملكها من العدل، فقال لأصحابه: «إنَّ بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلَم عنده أحد».
🌱 وكان ملك الحبشة ملكًا نصرانيًا، ومع ذلك وصفه النبي ﷺ بالعدل، وهذا يعلّمنا العدل والإنصاف، وأن المسلم يقر بالحق لأهله، ولو كان ممن يخالفه في الدين.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة: 8].
خروج الصحابة من مكة
خرج الصحابة رضي الله عنهم متسللين، وتركوا وراءهم الأهل والمال والوطن، وكل ذلك في سبيل المحافظة على دينهم.
وكان من المهاجرين إلى الحبشة عثمان بن عفان رضي الله عنه وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ، وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وغيرهما من خيرة أصحاب النبي ﷺ.
وقد كان خروجهم أمرًا شاقًا على النفس؛ فالإنسان بطبيعته يتعلق بأرضه وأهله وماله، لكن المؤمن إذا تعارضت مصالح الدنيا مع سلامة دينه، قدّم دينه، وآثر ما عند الله.
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [سورة النساء: 100].
قريش لا تترك المسلمين
لم تقبل قريش بخروج المسلمين من مكة، فقد رأت أن بقاءهم خارج سلطانها قد يمنحهم فرصة للاستقرار ونشر الإسلام.
فأرسلت رجلين من أقوى رجالها، وهما عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعهما الهدايا إلى النجاشي وبطارقته، وطلبا منهم أن يردوا إليهم المسلمين.
وأرادا أن يصورا المهاجرين بأنهم قوم خرجوا عن دين آبائهم، وأنهم أحدثوا دينًا جديدًا.
لكن النجاشي لم يقبل كلامهما بمجرد سماعه، بل طلب أن يسمع من المسلمين أنفسهم، وهذا من أصول العدل ومقتضياته؛ إذ لا يصح الحكم على أحدٍ قبل سماع قوله ومعرفة حجته.
جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي
اختار المسلمون جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ليتحدث باسمهم.
فقال النجاشي: «ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل»؟
فأجابه جعفر رضي الله عنه بكلمات عظيمة، قال: «أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان...»
ثم ذكر ما جاء به النبي ﷺ من مكارم الأخلاق، وترك الفواحش والظلم، وصلة الرحم، وحسن الجوار.
ثم قال: «فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا...»
ثم ذكر ما فعلت قريش بهم من الأذى، وأنهم خرجوا إلى الحبشة حفاظًا على دينهم.
وكان في كلام جعفر رضي الله عنه وضوح عظيم؛ فلم يبالغ، ولم يخفِ شيئًا، وإنما عرض حقيقة الإسلام كما هي.
تلاوة سورة مريم
ثم طلب النجاشي من جعفر رضي الله عنه أن يقرأ عليه شيئًا مما جاء به النبي ﷺ.
فقرأ عليه من سورة مريم، حتى بكى النجاشي، وبكت أساقفته، حتى ابتلت لحاهم من الدموع.
فلما سمع النجاشي كلام الله تعالى، علم أن هذا الكلام والحق الذي جاء به عيسى عليه السلام يخرجان من مشكاة واحدة.
فقال للمهاجرين: «إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة».
ثم رفض أن يسلمهم إلى قريش.
وهكذا حفظ الله أولئك المهاجرين، وجعل لهم في أرض الحبشة أمنًا بعد الخوف.
دروس من هجرة الحبشة
🌱 أولًا: الثبات على الدين لا يعني أن يُلقي الإنسان بنفسه إلى التهلكة.
إنما يكون الثبات مع الأخذ بالأسباب المشروعة للحفاظ على الدين والنفس.
🌱 ثانيًا: الدين أغلى ما يملكه الإنسان.
ترك الصحابة أموالهم وديارهم، لأنهم علموا أن المحافظة على الإيمان أعظم من المحافظة على متاع الدنيا.
🌱 ثالثًا: يجب أن يكون المسلم منصفًا وعادلًا حتى مع من يخالفه في الدين.
🌱 رابعًا: قوة الحجة وحسن البيان من وسائل الدعوة.
وقف جعفر رضي الله عنه أمام ملك الحبشة ثابتًا، قويَّ الحجة، صادقَ البيان؛ فلم يبالغ، ولم يُخفِ شيئًا، وإنما عرض حقيقة الإسلام بصدقٍ ووضوح.
🌱 خامسًا: القرآن يفتح القلوب إذا قُرئ بتدبر وصدق.
فقد كانت آيات سورة مريم سببًا في تأثر النجاشي ومن حوله، وأظهرت لهم حقيقة رسالة الإسلام.
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
لقد خرج الصحابة من مكة وليس معهم إلا إيمانهم بالله، وتركوا وراءهم ديارهم وأموالهم، لكن الله تعالى عوضهم بالأمن بعد الخوف، والسعة بعد الضيق.
وهكذا يعلمنا هذا الموقف أن المؤمن قد يضطر إلى ترك شيء يحبه من أجل شيء أعظم يحبه الله تعالى.
وقد لا يرى الإنسان في بداية الطريق كيف ستكون النهاية، لكنه يثق بوعد الله، ويأخذ بالأسباب، ويمضي ثابتًا على الحق.
فاللهم ارزقنا صدق الإيمان، وثبات القلب، وحسن التوكل عليك، ووفّقنا لنصرة دينك بما نستطيع، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا.
اللهم اجعلنا من أهل الصدق والثبات، وارزقنا حسن الاقتداء بنبيك محمد ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.