أذى قريش للمؤمنين وثبات الصحابة رضي الله عنهم.
🌿 في رحاب السيرة النبوية
اللقاء التاسع: أذى قريش للمؤمنين وثبات الصحابة رضي الله عنهم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: 21].
وعن عطاء بن يسار رحمه الله قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. فقال: «أجل، والله، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي، إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سَخَّابٍ في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا». رواه البخاري.
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
بعد أن انتقلت الدعوة من السرية إلى الجهر، وأعلن رسول الله ﷺ دعوته إلى توحيد الله تعالى، أدركت قريش أن هذه الدعوة ليست أمرًا عابرًا يمكن تجاهله؛ فهي تدعو إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام، وإبطال ما كان عليه آباؤهم من الشرك.
فاشتد إنكارهم، وبدأت مرحلة جديدة من مراحل الابتلاء؛ مرحلة الأذى والاضطهاد والتعذيب، ولا سيما للمؤمنين الذين لا يجدون من يحميهم أو يدفع عنهم أذى المشركين.
وهنا ظهر معدن الإيمان، وتجلت عظمة الجيل الأول؛ رجال ونساء آمنوا بالله، فثبتوا على الحق، وصبروا على ما نالهم في سبيله.
أذى قريش لرسول الله ﷺ
لم يسلم رسول الله ﷺ نفسه من أذى المشركين، فقد تعرض لأنواع من الإساءة، مع عظيم مكانته في قومه، ومع ما عرفوه عنه من الصدق والأمانة.
ومن أشد ما ثبت في ذلك:
▪️ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، حين سُئل عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ، فقال: «بينا النبي ﷺ يصلي في حِجْر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾». رواه البخاري.
وتأملوا موقف أبي بكر رضي الله عنه؛ فلم يقف متفرجًا أمام الظلم، بل بادر إلى نصرة رسول الله ﷺ ودفع الأذى عنه.
وهكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ؛ إيمانٌ يثمر موقفًا، ومحبةٌ تتحول إلى نصرة وتضحية.
▪️وما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «بينما رسول الله ﷺ ساجد، وحوله ناس من قريش، إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسَلَا جزور، فقذفه على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فلم يرفع رأسه حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها فطرحته عن ظهره». رواه البخاري.
ومع هذا كله، لم يترك رسول الله ﷺ دعوته، ولم يتراجع عن تبليغ رسالة ربه، بل استمر في الدعوة بالحكمة والصبر والثبات.
🌱 وهكذا يجب على المسلم ألَّا تُثنيه الابتلاءات عن دينه، ولا عن إيمانه بربه، ولا عن عبادته، وأن يكون على يقينٍ بأننا في هذه الحياة جميعًا مبتلون، قال الله تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
وأنه يجب علينا أن نصبر ونحتسب الأجر عند الله، وألَّا نيأس أو نجزع، قال تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
وذلك امتثالًا لأوامر الله سبحانه وتعالى، واقتداءً بسُنَّةِ نبيِّنا ﷺ وخُلُقِه ﷺ.
لماذا اشتد الأذى على المستضعفين؟
أولًا : لا عشيرة لهم تمنعهم، ولا مكانة اجتماعية تحميهم.
لما عجزت قريش عن إيقاف الدعوة بالحجة، اتجهت إلى الضغط على أتباعها، وكان أشد من نال العذاب أولئك الذين لا عشيرة لهم تمنعهم، ولا مكانة اجتماعية تحميهم.
فكان من بينهم بلال بن رباح رضي الله عنه، وعمار بن ياسر رضي الله عنه وأبوه ياسر وأمه سمية رضي الله عنهم، وغيرهم من المستضعفين.
ثانيًا : أن يَرُدُّوهم عن دينهم، وأن يجعلوا منهم عبرةً لمن تُسَوِّل له نفسه اعتناق هذا الدين.
وكانت قريش تريد من وراء ذلك أمرًا واضحًا: أن تجعل الإيمان سببًا للخوف والألم، حتى يتراجع المؤمن عن دينه.
لكنها فوجئت بأن الإيمان إذا استقر في القلب أصبح أقوى من التعذيب، وأن المؤمن قد يتحمل الألم في جسده ولا يتنازل عن عقيدته.
ومن أشهر مشاهد الثبات
▪️ما كان من آل ياسر رضي الله عنهم.
كان ياسر وزوجته سمية وابنهما عمار رضي الله عنهم من السابقين إلى الإسلام، فنالهم من أذى المشركين ما نالهم.
وقد مرَّ بهم رسول الله ﷺ وهم يعذبون، فقال: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة».
وقد صح هذا الأثر عن النبي ﷺ، ورُوي من طرق، وصححه الحاكم على شرط مسلم.
وكانت سمية رضي الله عنها من أعظم نماذج الثبات؛ فقد ثبتت على إيمانها حتى قُتلت، فكانت من أوائل شهداء الإسلام.
وهنا نتعلم أن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب، وإنما هو يقين يستقر في القلب، ويظهر أثره عند المحن.
▪️وما اشتهر عن بلال بن رباح رضي الله عنه.
وكان يردد كلمة التوحيد: «أحدٌ أحد».
فلم يكن التعذيب قادرًا على اقتلاع التوحيد من قلبه.
وقد أصبح بلال رضي الله عنه بعد ذلك أحد أعلام الإسلام، ورفع الأذان فوق الكعبة، وصار صوته الذي عُذِّب بسببه في مكة يصدح بالتوحيد.
وهكذا يبدل الله الأحوال، ويجعل العاقبة لأهل الإيمان والصبر.
أبو بكر رضي الله عنه ونصرة المستضعفين
ومن المواقف العظيمة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يسعى إلى تخليص المستضعفين الذين يعذبهم المشركون.
وقد عُرف عنه إنفاق ماله في شراء بعض من كان يعذب من العبيد المؤمنين وإعتاقهم.
وهذا من أعظم صور البذل؛ أن يجعل الإنسان ماله وسيلة لنصرة الحق ورحمة المظلومين.
فلم تكن صحبة أبي بكر رضي الله عنه للنبي ﷺ مجرد محبة ومجالسة، وإنما كانت نصرة وبذلًا وتضحية.
🌱 وكذلك يجب على المسلم أن يبذل قصارى جهده لنصرة دين الله تعالى ونصرة سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن لا يحتقر ما يستطيع أن يقدمه لدينه، فقد يكون نصْرُ الدين بكلمةٍ صادقة، أو تعليمِ جاهل، أو نشرِ خير، أو إنكارِ منكر.
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
إن مرحلة أذى قريش للمؤمنين تعلمنا دروسًا عظيمة:
🌱 أن الإيمان الحقيقي يظهر عند الابتلاء، فليست العبرة بما يقوله الإنسان في الرخاء، وإنما بما يثبت عليه عند الشدة.
🌱 أن طريق الدعوة إلى الله يحتاج إلى الصبر والثبات، وأن الابتلاء سنة ماضية في أهل الحق.
🌱 أن نصرة المظلوم من أخلاق المؤمنين، وقد كان أبو بكر رضي الله عنه نموذجًا عظيمًا في ذلك.
🌱 أن القوة الحقيقية ليست في الجسد وحده، وإنما في قوة القلب وثباته على الحق.
🌱 أن المستضعفين قد يكونون عند الله أعظم قدرًا من أصحاب الجاه والسلطان، فميزان التفاضل هو التقوى.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات: 13].
لقد أرادت قريش أن تطفئ نور الإسلام بالتعذيب والتخويف، فإذا بالنور يزداد انتشارًا، وإذا بالقلوب التي عُذبت في مكة تصبح منارات تهدي الناس إلى الله.
لقد عُذِّب بلال، فبقي التوحيد على لسانه.
وعُذِّب آل ياسر، فبقوا على إيمانهم.
وأوذي رسول الله ﷺ، فازداد ثباتًا وصبرًا.
وهكذا يعلمنا رسول الله ﷺ أن طريق الحق قد يكون شاقًا، لكن العاقبة لأهل الإيمان والصبر.
قال الله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [سورة طه: 132].
اللهم ارزقنا إيمانًا لا يتزعزع، ويقينًا لا يتغير، وصبرًا على طاعتك، وثباتًا على الحق.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.