الدعوة سرًّا وبناء الجيل الأول.
🌿 في رحاب السيرة النبوية
اللقاء السابع: الدعوة سرًّا وبناء الجيل الأول.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
وعن عطاء بن يسار رحمه الله قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا، وَمُبَشِّرًا، وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا». رواه البخاري.
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
ذكر أهل السيرة أن دعوة النبي ﷺ مرت بمراحل متتابعة، من أشهر تقسيماتها:
- مرحلة الدعوة سرًّا، واستمرت قرابة ثلاث سنوات.
- مرحلة الجهر بالدعوة في مكة، مع الصبر على الأذى، وهذه استمرت حتى الهجرة.
- مرحلة الإذن بقتال المعتدين بعد الهجرة، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39].
- مرحلة استقرار أحكام الجهاد بعد قوة الدولة الإسلامية ونزول التشريعات المتعلقة به.
وهذا التقسيم اجتهادي عند أهل السيرة، يُقصد به تقريب الأحداث وترتيبها.
لماذا بدأت الدعوة سرًّا؟
لما نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 1-5].
امتثل رسول الله ﷺ أمر ربه، فقام يدعو إلى توحيد الله تعالى، وإفرادِه بالعبادة، وتركِ عبادة الأصنام والأوثان.
ولكنه بدأ دعوته سرًّا، ولم يكن ذلك خوفًا على نفسه، فقد كان ﷺ أوثق الناس بوعد ربه، وقد قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67].
▪️وإنما اقتضت حكمة الله عز وجل أن تبدأ الدعوة في نطاق محدود؛ ليُربَّى الجيل الأول على الإيمان قبل أن يواجه عواصف الابتلاء، ولتتكون جماعة مؤمنة تحمل أعباء الرسالة.
فالتغيير الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان، قبل مواجهة المجتمع، ولذلك كانت العناية في هذه المرحلة بتربية العقيدة، وتعظيم الله تعالى، وغرس الإيمان بالآخرة، والصبر، والثبات، والإخلاص.
أول من آمن برسول الله ﷺ
وكان أول من آمن به ﷺ على الإطلاق زوجه الطاهرة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فكانت نعم الزوجة، وآزرته حين خذله الناس، وصدقته حين كذبه الناس، وأنفقت مالها في سبيل الله.
ثم آمن مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه، وآمن ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو أول من أسلم من الصبيان، وآمن أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو أول من أسلم من الرجال الأحرار.
وكان إسلام أبي بكر رضي الله عنه فتحًا عظيمًا للدعوة؛ لما كان يتمتع به من مكانة رفيعة، وخلق كريم، ومحبة في قلوب الناس، فكان سببًا في إسلام عدد من كبار الصحابة، منهم: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم أجمعين.
وهكذا بدأت الدعوة بأفرادٍ اصطفاهم الله تعالى، فحملوا هذا الدين بصدق ويقين، حتى صاروا خير أمة أخرجت للناس.
دار الأرقم... أول مدرسة في الإسلام
وبعد أن أخذ الداخلون في الإسلام يزدادون شيئًا فشيئًا، احتاج المسلمون إلى مكانٍ يجتمعون فيه بعيدًا عن أعين قريش؛ يتلقون فيه القرآن الكريم، ويتعلمون أحكام دينهم، ويزكيهم رسول الله ﷺ.
فكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي رضي الله عنه، الواقعة عند جبل الصفا، خير مكانٍ لتحقيق هذا المقصد؛ إذ كان الأرقم شابًّا من بني مخزوم، ولم يكن يخطر ببال قريش أن يكون بيته مقرًّا لاجتماع المسلمين.
الجيل الأول من هذه الأمة
وفي تلك الدار المباركة تخرَّج الجيل الأول من هذه الأمة، فكان رسول الله ﷺ معلمهم ومربيهم وقائدهم، يتلو عليهم ما ينزل من القرآن، ويغرس في قلوبهم الإيمان بالله تعالى، والخوف منه، والرجاء فيه، والصبر على البلاء، والثقة بوعد الله.
ولم تكن دار الأرقم مدرسةً لتلقي المعلومات فحسب، بل كانت مدرسةً لصناعة الرجال، وتربية النفوس، وإعداد حملة الرسالة.
فكان التركيز على أصول الإيمان، ولذلك كانت الآيات المكية تعالج أمورًا عظيمة، منها:
- توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة،
- الإيمان بالبعث والنشور والجنة والنار،
- تعظيم القرآن الكريم،
- تزكية النفس وتطهير القلب،
- الصبر على الأذى والثبات على الحق،
- مكارم الأخلاق، وترك الظلم والفواحش.
ولهذا قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا». رواه البخاري في صحيحه.
▪️وهذا يبين لنا أن التربية الإيمانية مقدمة على كثرة الأحكام؛ لأن القلب إذا صلح، سهل عليه امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
ثمار الدعوة السرية
استمرت الدعوة السرية قرابة ثلاث سنوات، وكانت ثمارها عظيمة.
▪️فقد دخل في الإسلام عدد من خيرة رجال الأمة ونسائها، حتى بلغ المسلمون نحو أربعين رجلًا وامرأة قبل الجهر بالدعوة، كما ذكر أهل السيرة.
وكان من السابقين الأولين:
- خديجة بنت خويلد رضي الله عنها،
- أبو بكر الصديق رضي الله عنه،
- علي بن أبي طالب رضي الله عنه،
- زيد بن حارثة رضي الله عنه،
- عثمان بن عفان رضي الله عنه،
- الزبير بن العوام رضي الله عنه،
- عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه،
- سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه،
- طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه،
- أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه،
- بلال بن رباح رضي الله عنه،
- خباب بن الأرت رضي الله عنه،
- عمار بن ياسر، وأبواه ياسر وسمية رضي الله عنهم،
- عبد الله بن مسعود رضي الله عنه،
- الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه، وغيرهم من السابقين الأولين.
وقد جمع الله في هؤلاء صفاتٍ عظيمة؛ من صدق الإيمان، وقوة اليقين، والاستعداد للتضحية، فكانوا خيرَ من حمل هذا الدين بعد رسول الله ﷺ.
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
▪️تدل هذه المرحلة على أن الداعية الحكيم يختار الوسيلة المشروعة التي تحقق مصلحة الدعوة، دون تفريط في ثوابتها أو مداهنة في دين الله.
ومن أجل ذلك أمر الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام أن يرفقا بفرعون، فقال سبحانه: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 43-44].
فالرفق من أعظم أسباب قبول الحق، وقد قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلا شانَه». رواه مسلم في صحيحه.
نهاية مرحلة الدعوة سرًّا وبداية الجهر بالحق
دروس وعبر من مرحلة الدعوة السرية
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.