كلُّ شيءٍ في جسدك خُلِقَ بقدرٍ.
📝 مقالات تربوية
كلُّ شيءٍ في جسدك خُلِقَ بقدرٍ... فاحمدِ اللهَ على نعمة العافية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49].
هذه الآية الكريمة ليست خاصةً بحركة النجوم، أو تعاقب الليل والنهار، أو نظام الكون الفسيح فحسب، بل تشمل الإنسان أيضًا، بما فيه من أجهزةٍ وأعضاء، وسوائل، وهرمونات، وأملاح، وخلايا، ونبضات قلب، وأنفاس، وكل ما أودعه الله فيه من أسرارٍ يعجز العقل عن الإحاطة بها.
إن المتأمل في خلق الإنسان يدرك أن كل شيءٍ في جسده قائمٌ على ميزانٍ دقيق، لا يزيد ولا ينقص إلا لحكمة، وأن اختلال هذا الميزان يكون سببًا للمرض، وربما للهلاك.
قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 2-3].
ميزانٌ دقيق لا يختل
تأمل في نسبة السكر في الدم، أو ضغط الدم، أو حرارة الجسم، أو كمية الماء، أو الأملاح، أو الهرمونات، أو عدد نبضات القلب.
كل واحدٍ منها له حدوده التي قدَّرها الله تعالى.
فإذا ارتفع السكر أضرَّ، وإذا انخفض أضرَّ.
وإذا ارتفع ضغط الدم كان خطرًا، وإذا انخفض كثيرًا كان خطرًا كذلك.
وإذا زادت حرارة الجسم مرض الإنسان، وإذا انخفضت كثيرًا تعطلت وظائفه.
بل حتى الماء الذي هو سر الحياة، إن نقص أهلك، وإن زاد على الحد أضرَّ بالجسم.
وهكذا في معظم ما خلق الله داخل الإنسان؛ زيادةٌ تفسد، ونقصٌ يفسد، والاعتدال هو سر الصحة والعافية.
وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2].
العافية نعمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها
كثير من الناس لا يشعر بنعمة العافية إلا إذا أصابه مرض.
تمر الأيام وهو يتنفس بسهولة، ويمشي بلا ألم، وينام مطمئنًا، ويأكل ويشرب، ويرى ويسمع ويتكلم، ثم إذا اختل عضوٌ صغير من أعضائه تبدلت حياته كلها.
ولذلك كان النبي ﷺ يقول: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ». رواه البخاري.
وقال ﷺ: «سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يُعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية». رواه الترمذي وصححه الألباني.
فالعافية ليست مجرد سلامة البدن، بل تشمل سلامة الدين، والقلب، والعقل، والأهل، والرزق، وسائر شؤون الحياة.
ومن أعظم الشكر المحافظة على الصحة
إن شكر نعمة العافية لا يكون باللسان فقط، بل يكون بالمحافظة عليها.
فنبتعد عن كل ما يضر أجسادنا، ونأخذ بالأسباب التي تحفظها، لأن أجسادنا أمانة عند الله.
قال النبي ﷺ: «إنَّ لبدنك عليك حقًّا». رواه البخاري.
فالمؤمن يحافظ على صحته، ويجتنب ما يؤذي نفسه، ويعلم أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، بل هو من تمامه.
وقفة مع النفس
إذا رأيت نفسك تمشي على قدميك، أو تسمع بأذنيك، أو ترى بعينيك، أو ينبض قلبك في انتظام، فلا تظن أن ذلك أمرٌ عادي، بل هو فضلٌ من الله يتجدد في كل لحظة.
إن ملايين العمليات الدقيقة تجري داخل جسدك كل ثانية دون أن تشعر بها، ولو اختلت واحدة منها لاضطربت حياتك.
فسبحان من أحكم الخلق، وأتقن الصنع، وجعل لكل شيء مقدارًا.
خاتمة
كلما تأملت في جسدك ازددت يقينًا بعظمة خالقك، وأنه سبحانه ما خلق شيئًا عبثًا، بل خلق كل شيء بقدر، وأجرى الكون كله على ميزان الحكمة والإتقان.
فاحمد الله صباح مساء على نعمة العافية، وأكثر من الدعاء الذي كان يوصي به النبي ﷺ: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة»
فما أكرم الله عبدًا بنعمة بعد الإيمان أعظم من نعمة العافية، فاحفظها بالشكر، واطلب دوامها بالدعاء، واستعملها في طاعة الله قبل أن تُسلب، فإن الصحة تاجٌ على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.