بدء الوحي.

🌿 في رحاب السيرة النبوية

اللقاء السادسة: بدء الوحي.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

وعن عطاء بن يسار رحمه الله قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا، وَمُبَشِّرًا، وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا». رواه البخاري.

أحباب الحبيب محمد ﷺ...

بعد أن أتم الله إعداد نبيه محمد ﷺ، وهيأ قلبه لحمل أعظم رسالة عرفتها البشرية، حبب إليه الخلاء، فكان يخلو في غار حراء الليالي ذوات العدد، يتعبد لله تعالى، ويتفكر في ملكوت السماوات والأرض، بعيدًا عن ضلالات قومه وعبادتهم للأوثان.

ثم جاءت اللحظة الفاصلة في تاريخ الإنسانية، لحظة نزول الوحي، وبداية الرسالة الخاتمة.

تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فيما رواه الإمام البخاري: «أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رُؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد...».

وبينما كان رسول الله ﷺ في غار حراء، إذ جاءه جبريل عليه السلام، فقال له: اقرأ.

فقال ﷺ: «ما أنا بقارئ».

فأخذه جبريل فضمه ضمة شديدة حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله وقال: اقرأ.

فقال: «ما أنا بقارئ».

فأخذه الثانية، ثم الثالثة، ثم تلا عليه أول ما نزل من القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].

وكانت هذه أول آيات القرآن نزولًا، وأول إعلان بأن هذا الدين سيقوم على العلم والإيمان، والقراءة والمعرفة، قبل أن يقوم على القوة والتمكين.

عاد رسول الله ﷺ من الغار وقلبه يرتجف من هول ما رأى، حتى دخل على زوجه الوفية خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وهو يقول:

«زملوني، زملوني».

فلفوه بالثياب حتى سكن ما به من الروع.

ثم قال لها: «لقد خشيت على نفسي».

وهنا ظهر فضل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وعظيم حكمتها، وثبات قلبها، فلم تزد على أن قالت كلمات خالدة بقيت نورًا لكل داعية ولكل مؤمن:

«كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».

فشهدت له بما عُرف عنه طوال حياته من كريم الأخلاق، وعلمت أن من جمع هذه الخصال لا يخذله الله أبدًا.

ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان شيخًا كبيرًا قد قرأ الكتب السابقة، فقال له بعدما سمع خبره:

«هذا الناموس الذي نزل الله على موسى».

والناموس هو جبريل عليه السلام، صاحب الوحي.

ثم قال ورقة:

«يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك».

فتعجب رسول الله ﷺ وقال: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟»

قال: «نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا».

ثم لم يلبث ورقة بعد ذلك إلا قليلًا حتى توفي.

أحباب الحبيب محمد ﷺ...

يقف المسلم أمام هذه الأحداث العظيمة متأملًا عدة دروس جليلة.

🌱 منها أن الوحي حقيقة من عند الله تعالى، وليس خاطرًا نفسيًا، ولا إلهامًا بشريًا، ولا ثمرة تأمل أو عزلة، وإنما هو خطاب إلهي نزل به جبريل عليه السلام على قلب رسول الله ﷺ. 

ولهذا جاء اللقاء الأول مهيبًا، وتكرر الأمر بالقراءة، ووقع من النبي ﷺ ما وقع من الهيبة والرهبة، ليعلم الناس جميعًا أن الرسالة وحي من السماء، لا صناعة بشر، ولا حديث نفس.

🌱 ومنها فضل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، فقد كانت أول من آمن برسول الله ﷺ، وأول من واساه، وثبته، وخفف عنه، وصدقته حين كذبه الناس، فاستحقت أن تكون من خير نساء العالمين.

🌱 ومنها أن حسن الخلق من أعظم أسباب معونة الله لعبده؛ ولذلك استدلت خديجة رضي الله عنها بأعماله الصالحة على أن الله لن يخذله، لأن الله لا يضيع أهل الإحسان.

🌱 ومنها أن طريق الدعوة إلى الله ليس طريقًا مفروشًا بالورود، بل هو طريق الأنبياء، يلقى فيه الداعية شيئًا من الأذى والصبر والابتلاء، كما أخبر ورقة بن نوفل رسول الله ﷺ منذ اللحظات الأولى للرسالة.

وقد قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35].

فالداعية إلى الله يبلغ الحق بالحكمة، والرفق، والصبر، ولا ينتظر ثناء الناس، وإنما يرجو ما عند الله سبحانه وتعالى.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والثبات على الحق، وأن يجعلنا من المقتدين برسول الله ﷺ، المتبعين لهديه، السائرين على سنته.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اقرأ أيضًا:

اللقاء الأول: نسبه الشريف   https://helmy68.blogspot.com/2026/06/blog-post_22.html

اللقاء الثاني: وُلد يتيمًا ﷺ.   https://helmy68.blogspot.com/2026/07/blog-post_01.html

اللقاء الثالث: بداية شبابه ﷺ.   https://helmy68.blogspot.com/2026/07/blog-post_09.html

اللقاء الرابع: زواجُه الأول .   https://helmy68.blogspot.com/2026/07/blog-post_71.html

اللقاء الخامس: حِكْمَتُهُ ﷺ في حَلِّ النِّزاعاتِ، وحُبُّهُ ﷺ للخَلْوَةِ.   https://helmy68.blogspot.com/2026/07/blog-post_22.html



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صلوا على النبي ﷺ.

لماذا ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ ...﴾؟ أولاً: لأنه هو عليه السلام الذي سعى باحثًا عن ربه.

مناسك الحج