زواجُه الأول ﷺ.
🌿 في رحاب السيرة النبوية
اللقاء الرابع: زواجُه ﷺ من أُمِّ المؤمنين خديجةَ رضي اللهُ عنها
زهرةٌ جديدةٌ من بستانِ سيرةِ الحبيبِ محمدٍ ﷺ
قال اللهُ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
وعن عطاءِ بنِ يَسارٍ رحمه الله قال: لقيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو بنِ العاصِ رضي اللهُ عنهما، فقلتُ: أخبرني عن صفةِ رسولِ اللهِ ﷺ في التوراة. فقال: أجل، واللهِ، إنَّه لَمَوْصوفٌ في التوراةِ بصفتِه في القرآن: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا، وَمُبَشِّرًا، وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا». رواه البخاري
صلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ على سيِّدِنا محمدٍ.
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
كانت أُمُّ المؤمنين خديجةُ بنتُ خويلدٍ رضي اللهُ عنها امرأةً ذاتَ شرفٍ ومالٍ، وكانت تاجرةً تستأجرُ الرجالَ في تجارتِها.
فلمَّا بلغها ما اشتهر به محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ﷺ من صِدْقِ الحديثِ، وعظيمِ الأمانةِ، وكريمِ الأخلاقِ، عرضت عليه أن يخرجَ في تجارتِها إلى الشام، وجعلت له من الأجرِ أفضلَ ممَّا كانت تعطي غيرَه؛ ثقةً بصِدقِه وأمانتِه.
وقد ذكر ذلك أهلُ السِّيرة، منهم ابنُ هشامٍ وابنُ الأثيرِ.
وهذه الخصالُ الثلاثُ: الصِّدقُ، والأمانةُ، وحُسْنُ الخُلُقِ، إذا اجتمعت في المرءِ كانت من أعظمِ الكنوزِ التي يرزقُه اللهُ إيَّاها.
قال اللهُ تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26].
فلم تتردَّدْ خديجةُ رضي اللهُ عنها في استئمانِ رسولِ اللهِ ﷺ على مالِها وتجارتِها.
▪️ ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
فلمَّا عاد من رحلتِه وقد باركَ اللهُ له في تجارتِه، ورأت ما عاد به من أرباحٍ، وسمعت شهادةَ غلامِها مَيْسَرَةَ بما رأى من صِدقِه وأمانتِه وكريمِ أخلاقِه، رغبت في الزواجِ منه، فعرضت ذلك عليه بواسطةِ صديقةٍ لها، فقبل ﷺ، فكان زواجًا مباركًا قامت عليه أُسرةٌ هي خيرُ أُسرةٍ عرفتها البشريَّة.
▪️ وهكذا كان شأنُ الصالحين؛ فإنَّ شعيبًا عليه السلام لمَّا تحقَّق من قوَّةِ موسى عليه السلام وأمانتِه قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: 27].
ولكن كيف يُعرَفُ صدقُ الرجالِ وأمانتُهم؟
جاء عن أميرِ المؤمنين عمرَ بنِ الخطابِ رضي اللهُ عنه أنَّه قال لرجلٍ أثنى على آخر: هل صاحبتَه في السفرِ؟ هل جاورتَه في الحضر؟ هل عاملتَه بالدينارِ والدِّرهمِ؟ فلمَّا أجاب بالنفي، قال عمرُ رضي اللهُ عنه ما معناه: إنَّ هذه المواطنَ هي التي تُعرَفُ بها أخلاقُ الرجالِ.
فليس الناسُ يُعرَفون بكثرةِ الكلامِ، ولا بحُسنِ المظهرِ، وإنَّما يُعرَفون عند المعاملةِ، وعند السفرِ، وعند تحمُّلِ المسؤولياتِ.
أحباب الحبيب محمد ﷺ...
🌱 مَعادِنُ الرِّجالِ تُعْرَفُ بِإِحْدَى ثَلاثٍ: بِصُحْبَتِهِمْ فِي السَّفَرِ، أَوْ مُجاوَرَتِهِمْ فِي الحَضَرِ، أَوْ مُعامَلَتِهِمْ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّينارِ.
🌱 بالصِّدقِ والأمانةِ وحُسْنِ الخُلُقِ تُؤْتَمَنُ على الأموالِ والأعمالِ، وتُؤْتَمَنُ على الأعراضِ.
نسألُ اللهَ أن يرزقنا وإيَّاكم الصِّدقَ، وأن يجعلنا وإيَّاكم من أهلِ الأمانةِ، وأن يُجمِّلنا بمحاسنِ الأخلاقِ.
تزوَّج رسولُ اللهِ ﷺ أُمَّ المؤمنين خديجةَ رضي اللهُ عنها، وكان عمرُه خمسًا وعشرين سنةً، وكانت رضي اللهُ عنها في نحوِ الأربعينَ من عمرِها على المشهورِ عند أهلِ السِّيرة، وإن كان بعضُ أهلِ العلمِ قد رجَّح أنَّها كانت أصغرَ من ذلك.
وكانت قد سبق لها الزواجُ قبل رسولِ اللهِ ﷺ.
وظلَّ هذا الزواجُ المباركُ قائمًا حتى تُوفِّيَتْ خديجةُ رضي اللهُ عنها، ولم يتزوَّج عليها رسولُ اللهِ ﷺ طوال حياتِها، مع أنَّها عاشت معه نحو خمسٍ وعشرين سنةً، وهي سنواتُ الشبابِ والقوَّةِ.
🌱 ولو كان ﷺ ـ كما يزعمُ المبطلون ـ طالبَ شهوةٍ، لكان ذلك أولى أن يظهرَ في تلك المرحلةِ من عمرِه، حيث كان تعدُّدُ الزوجاتِ أمرًا مألوفًا عند العربِ، وكان يستطيع أن يتزوَّج غيرَها أو يتَّخذ الإماءَ، ومع ذلك لم يفعل.
ثم إنَّ زيجاتِه ﷺ بعد وفاةِ خديجةَ رضي اللهُ عنها كانت لحِكَمٍ عظيمةٍ ومقاصدَ شرعيَّةٍ ودعويَّةٍ واجتماعيَّةٍ، ولم تكن لمجرَّد اتِّباعِ الشهوةِ، وقد كان ﷺ يومئذٍ مشغولًا بأعباءِ الرسالةِ، والدعوةِ إلى اللهِ، وبناءِ الدولةِ الإسلاميَّةِ، وجهادِ أعداءِ الدِّينِ.
🌱 وهكذا يُعلِّمنا رسولُ اللهِ ﷺ أنَّ بناءَ الأسرةِ يقومُ على الدِّينِ، والخلقِ، والأمانةِ، وأنَّ حسنَ السيرةِ أعظمُ رأسِ مالٍ يملكه الإنسانُ، وأنَّ من أصلح ما بينه وبين اللهِ أصلح اللهُ ما بينه وبين الناسِ، وألقى له القبولَ في الأرضِ.
فاللهمَّ ارزقنا الصِّدقَ في الأقوالِ، والإخلاصَ في الأعمالِ، والأمانةَ في المسؤولياتِ، وحُسْنَ الخُلُقِ مع عبادِك، واجعلنا من المقتدين بنبيِّك الكريمِ ﷺ.
ملخص اللقاء:
بصدق الحديث، وعظيم الأمانة، وكريم الأخلاق، يُؤتمن المرء على الأعمال، والأموال، والأعراض.
• لكن كيف أتحقق من وجود هذه الصفات في الرجل حتى آتمنه على مالي وعِرضي؟
• كيف أحقق لنفسي القبول بين الناس، فأكون محلَّ ثقتهم، ومأمنَ أسرارهم، وأهلًا لتحمُّل المسؤوليات، وأفوز بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة؟
وصلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ على سيِّدِنا محمدٍ، وعلى آله وصحبِه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.