الصبر الجميل.
🏆مراحل النجاح
📗 المرحلة الثامنة: الجانب الإيماني والطمأنينة
ثالثًا: الصبر الجميل.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
خلق الله تعالى الدنيا دار ابتلاء، ولم يجعلها دار راحة دائمة، قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4].
فالإنسان يتقلب بين الصحة والمرض، والغنى والفقر، والفرح والحزن، والنجاح والتعثر.
ومن هنا كان الصبر من أعظم الأخلاق التي يحتاجها المؤمن في جميع أحواله، بل هو سبب للفوز في الدنيا والآخرة.
وليس كل صبر سواء، بل هناك الصبر الجميل الذي مدحه الله تعالى، وأمر به عباده، وجعله شعار أنبيائه وصالحي عباده.
ما هو الصبر الجميل؟
الصبر الجميل هو الصبر الذي يخلو من السخط والاعتراض على قضاء الله، فلا يجزع صاحبه، ولا يتلفظ بما يغضب الله، بل يرضى بقضاء ربه، ويحتسب الأجر عنده، ويستعين به وحده.
قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: 5].
وقال يعقوب عليه السلام عندما فقد ابنه يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18].
وقد بكى يعقوب عليه السلام حزنًا حتى ابيضت عيناه، ومع ذلك لم يعترض على قضاء الله، وإنما قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
فالصبر الجميل لا يمنع دموع العين، ولا ألم القلب، وإنما يمنع التسخط والاعتراض على قدر الله.
منزلة الصبر في الإسلام
لقد تكرر ذكر الصبر في القرآن الكريم عشرات المرات، مما يدل على عظيم منزلته.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
وقال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
وقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
فأي فضل أعظم من أن يكون الله مع الصابرين، ويبشرهم، ويعدهم بأجر لا حساب له؟
أنواع الصبر
قسم العلماء الصبر إلى ثلاثة أنواع:
أولًا: الصبر على طاعة الله؛
كالمحافظة على الصلاة، والصيام، وطلب العلم، وبر الوالدين، وسائر الطاعات، فإنها تحتاج إلى مجاهدة للنفس.
ثانيًا: الصبر عن معصية الله؛
وهو أن يحبس المسلم نفسه عن الوقوع في الحرام، مهما كثرت المغريات، امتثالًا لأمر الله تعالى.
ثالثًا: الصبر على أقدار الله المؤلمة؛
كالمرض، والفقر، وفقد الأحبة، والابتلاءات المختلفة، مع الرضا بقضاء الله، وحسن الظن به.
فضل الصبر في السنة النبوية
عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ، ولا همٍّ ولا حزنٍ، ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه.» متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ومن يتصبَّر يصبِّره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر.» متفق عليه.
وعن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له.» رواه مسلم.
كيف يكتسب المسلم الصبر؟
1- تقوية الإيمان بالله؛
فكلما ازداد يقين العبد بربه، ازداد صبره على أوامره وأقداره.
2- استحضار الأجر العظيم؛
فالمؤمن يعلم أن الله لا يضيع أجر الصابرين، وأن كل لحظة صبر مكتوبة في ميزان حسناته.
3- كثرة الدعاء؛
فكان النبي ﷺ يدعو ربه في الشدائد، ويعلم أصحابه اللجوء إلى الله في كل أمر.
4- قراءة القرآن؛
فالقرآن يملأ القلب يقينًا، ويثبت المؤمن عند المصائب.
5- التأمل في قصص الأنبياء؛
فقد ابتُلي نوح، وإبراهيم، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، ومحمد ﷺ، فصبروا حتى جاءهم نصر الله.
ثمار الصبر
من أعظم ثمار الصبر:
- نيل معية الله الخاصة،
- محبة الله تعالى،
- تكفير الذنوب والسيئات،
- رفعة الدرجات،
- طمأنينة القلب،
- حسن الخاتمة،
- الفوز بالجنة.
لا تيأس مهما طال البلاء
قد يطول البلاء، وقد تتأخر الإجابة، لكن المؤمن يعلم أن الله حكيم رحيم، وأن الفرج يأتي في الوقت الذي يقدره سبحانه.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
فلا تيأس من رحمة الله، ولا تستبطئ الفرج، فإن بعد الشدة فرجًا، وبعد الضيق سعة، وبعد الليل فجرًا.
الخلاصة:
الصبر الجميل ليس ضعفًا ولا استسلامًا، بل هو قوة إيمان، وثبات قلب، ورضا بقضاء الله، مع الأخذ بالأسباب المشروعة وانتظار الفرج منه سبحانه.
فإذا نزل بك بلاء، فاصبر صبرًا جميلًا، وأكثر من الدعاء، وأحسن الظن بربك، واعلم أن الله مع الصابرين، وأن كل لحظة صبر تقربك من رب العالمين، وترفع درجتك، وتمحو خطاياك.
فالسعيد من صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء، حتى يلقى الله بقلب مطمئن، ونفس راضية، وجزاءٍ عظيم لا ينقطع.
تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.