بداية شبابه ﷺ.

🌿 في رحاب السيرة النبوية

اللقاء الثالث: الرحلة الأولى إلى الشام، وبداية مرحلة الشباب، وكدحه ﷺ في طلب الرزق.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

وعن عطاء بن يسار رحمه الله قال: لقيتُ عبدَ الله بنَ عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. فقال: أجل، والله، إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا، وَمُبَشِّرًا، وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا». رواه البخاري.

أحباب الحبيب محمد ﷺ...

مع زهرات جديدةٍ من زهرات بستانِ السيرةِ النبويةِ العطرة، لنتعرَّف من خلالها على مرحلةٍ جديدةٍ من حياة النبي ﷺ، وهي مرحلة «الرحلة الأولى إلى الشام، ثم بداية شبابه، ثم سعيه في طلب الرزق»، وهي مرحلة تكشف جانبًا من الإعداد الرباني الذي هيأه الله تعالى به لحمل الرسالة الخاتمة.

رحلته الأولى ﷺ إلى الشام

ولما بلغ رسول الله ﷺ نحو اثنتي عشرة سنة، خرج عمه أبو طالب في قافلةٍ تجارية متجهة إلى بلاد الشام، فأخذ ابن أخيه معه؛ لما كان يحمله له من محبةٍ عظيمة، ولما رأى فيه من النجابة، وكمال الأدب، وحسن الخلق.

وكانت هذه الرحلة أول احتكاكٍ للنبي ﷺ ببلاد الشام، التي كانت يومئذٍ من أهم المراكز التجارية في المنطقة، فتعرَّف خلالها على أحوال الناس، وشيئًا من أساليب التجارة، ورأى اختلاف البيئات والأمم، فكانت تجربةً نافعةً أضافت إلى ما وهبه الله تعالى من رجاحة العقل وسلامة الفطرة.

وقد اشتهرت في كتب السيرة قصة لقاء النبي ﷺ بالراهب بحيرى في مدينة بُصرى، وأنه رأى فيه علامات النبوة، وأوصى أبا طالب أن يرجع به إلى مكة خوفًا عليه.

وهذه القصة ذكرها كثير من أصحاب كتب السيرة، ورويت من طرقٍ في بعضها ضعف، ولذلك اختلف أهل العلم في ثبوتها، فلا يُجزم بتفاصيلها، وإن كان أصل معرفة بعض أهل الكتاب بأوصاف النبي ﷺ ثابتًا بنصوص القرآن الكريم.

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146].

وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157].

▪️وكان من فضل الله تعالى أن هيأ لنبيه ﷺ أسباب التربية الكاملة؛ فجمع له بين سلامة الفطرة، وشرف النسب، وطهارة الأخلاق، ثم أطلعه على شيءٍ من أحوال الناس قبل أن يشرفه بالوحي، ليكون على بصيرةٍ بما سيدعوهم إليه.

ولما عاد رسول الله ﷺ إلى مكة، بدأت مرحلة الشباب، وهي المرحلة التي يظهر فيها معدن الرجال، ويتميز فيها أصحاب الهمم العالية عن أهل اللهو والغفلة، وقد حفظ الله نبيه ﷺ في هذه المرحلة حفظًا كاملًا، فلم يعرف عنه انحراف، ولا عبادة صنم، ولا مشاركة في شيء من منكرات الجاهلية، بل عاش بين قومه معروفًا بالطهر، والعفة، والصدق، والأمانة، حتى استحق عن جدارة أن يلقب بـ الصادق الأمين، وهو اللقب الذي أجمع عليه قومه قبل أن يبعثه الله رسولًا.

وكانت هذه السمعة الطيبة من أعظم أسباب قبول دعوته بعد البعثة، إذ لم يجد أعداؤه سبيلًا إلى الطعن في أخلاقه أو أمانته، وإنما كان أقصى ما قالوه: إنه ساحر أو شاعر أو كاهن، مع اعترافهم جميعًا بصدقه وأمانته، كما شهد بذلك القرآن الكريم في أكثر من موضع.

كدحه ﷺ في طلب الرزق وحفظ الله له في شبابه

ولما اشتد عود رسول الله ﷺ، وأقبل على مرحلة الشباب، لم يعرف الكسل، ولم يعتمد على غيره في أمر معيشته، بل اتجه إلى العمل الشريف، والكسب الحلال، فكان مثالًا للشاب الجاد الذي يبني حياته بالعمل، ويبتغي بجهده عزة النفس وكرامة العيش.

وكان أول ما عمل به ﷺ رعي الغنم، وهي مهنةٌ امتهنها كثير من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام؛ لما فيها من تربيةٍ على الصبر، والحلم، والرحمة، وتحمل المسؤولية.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم».

قالوا: وأنت يا رسول الله؟

قال: «وأنا، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة».

رواه البخاري.

▪️وفي هذا الحديث الشريف دلالةٌ عظيمة على شرف العمل، وأن الإسلام لا يعرف البطالة ولا الاتكال، وإنما يدعو إلى السعي في طلب الرزق، مع الاعتماد على الله سبحانه وتعالى.

وليس المقصود من رعي الغنم مجرد تحصيل القوت، بل إن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه المهنة إعدادًا للأنبياء؛ ففيها يتعلم الراعي الصبر على المشقة، والرفق بالضعيف، وحسن القيادة، وسعة الصدر، وتحمل المسؤولية، وهي صفاتٌ يحتاج إليها كل من يتولى أمر الناس، فكيف بخاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ؟

ولذلك كانت حياة النبي ﷺ قبل البعثة مدرسةً عملية، يتلقى فيها من صنوف التربية ما يؤهله لحمل أعظم رسالة عرفتها البشرية.

▪️ومع ما يغلب على الشباب من الميل إلى اللهو، والتطلع إلى مجالس العبث، فقد عصم الله نبيه ﷺ من أدران الجاهلية، فلم يسجد لصنم، ولم يشرب خمرًا، ولم يشهد مجلسًا من مجالس الفحش أو المنكر، بل كان محفوظًا بعناية الله تعالى، حتى بعثه رسولًا إلى العالمين.

وقد روى بعض أهل السيرة أن النبي ﷺ قال: «ما هممتُ بشيءٍ مما كان أهل الجاهلية يعملونه غير مرتين، كلُّ ذلك يحول الله بيني وبينه...»، ثم ذكر أنه خرج يريد السمر كما يسمر الشباب، فسمع غناءً في عرس، فجلس، فضرب الله على أذنيه فنام، فلم يستيقظ إلا بحرِّ الشمس، ثم وقع له مثل ذلك مرةً أخرى، ثم قال: «فما هممتُ بعده بسوءٍ حتى أكرمني الله برسالته».

وهذه الرواية مشهورة في كتب السيرة، وقد حسَّنها بعض أهل العلم، وتكلَّم آخرون في إسنادها، غير أن معناها يوافق ما ثبت من حفظ الله تعالى لنبيه ﷺ، وعصمته من أدران الجاهلية قبل البعثة.

لقد شاء الله عز وجل أن ينشأ نبيه ﷺ على أكمل الأخلاق، وأن يزكيه قبل البعثة، حتى إذا جاءه الوحي لم يجد الناس في سيرته إلا الصدق، والأمانة، والعفة، والوفاء، فكانت حياته قبل النبوة شاهدًا على صدق دعوته بعدها.

أحباب الحبيب محمد ﷺ...

إذا تأملنا هذه المرحلة من حياة رسول الله ﷺ وجدنا أنها لم تكن أحداثًا متفرقة، وإنما كانت إعدادًا ربانيًا متقنًا لنبيٍ سيحمل أعظم رسالة عرفتها البشرية.

فقد علَّمته الرحلة الأولى إلى الشام شيئًا من أحوال الناس، ووسعت مداركه، وأطلعته على شيء من حياة الأمم خارج مكة، ثم جاءت مرحلة الشباب بما فيها من تحمل المسؤولية، والعمل، والكسب، حتى نشأ ﷺ قويَّ الشخصية، صادقَ اللهجة، أمينًا في معاملاته، محبوبًا بين قومه.

ثم كان اشتغاله برعي الغنم مدرسةً من مدارس التربية؛ ففيها تعلم الصبر، والحلم، والرحمة، وحسن الرعاية، وتحمل المسؤولية، ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يرعى الأنبياء الغنم، بل كان ذلك إعدادًا لهم لقيادة الناس، كما قال ﷺ: «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم».

🌱 ومن أعظم ما نتعلمه من هذه المرحلة أن الإسلام يرفع من شأن العمل، ويجعل الكسب الحلال عبادةً إذا صلحت النية، فلا يحتقر المسلم عملًا شريفًا، ولا يستنكف عن مهنةٍ مباحة، بل يسعى في طلب رزقه معتمدًا على الله تعالى، آخذًا بالأسباب المشروعة.

🌱 كما نتعلم أن عفة الشباب ليست أمرًا مستحيلًا، وإنما هي ثمرة الإيمان، ومراقبة الله تعالى، ومجاهدة النفس، والبعد عن أسباب الفتنة، واختيار الصحبة الصالحة. 

وقد حفظ الله نبيه ﷺ من أدران الجاهلية، ليكون قدوةً كاملةً في الطهارة والعفة، وعلى المسلم أن يسأل ربه دائمًا الثبات والهداية، وأن يأخذ بالأسباب التي تعينه على الاستقامة.

🌱 ومن الدروس المهمة كذلك أن حُسن السمعة قبل تحمل المسؤوليات من أعظم أسباب النجاح فيها؛ فقد عُرف النبي ﷺ قبل بعثته بالصدق والأمانة والعفة، حتى لُقب بالصادق الأمين، فلما جاءه الوحي كانت سيرته السابقة شاهدًا على صدقه، ولم يجد أعداؤه مطعنًا في أخلاقه، وإنما كابروا وجحدوا بعد أن استيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوا.

لذا ينبغي لكل شاب مسلم أن يتخذ من رسول الله ﷺ قدوته في الجد والاجتهاد، والعفة والاستقامة وحُسن السمعة، وأن يعلم أن العمل الشريف، مهما كان بسيطًا، خير من سؤال الناس أو مد اليد إليهم، وأن بركة الرزق إنما تكون بطاعة الله، وإخلاص النية، وحسن التوكل عليه سبحانه.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا صدق الاتباع، وأن يزيننا بأخلاق نبينا محمد ﷺ، وأن يجعلنا من الداعين إلى سنته، العاملين بهديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وفي اللقاء القادم ـ بإذن الله تعالى ـ نعيش مع مرحلةٍ جديدةٍ من مراحل السيرة العطرة، نتحدث فيها عن حلف الفضول، ثم تجارة النبي ﷺ بمال خديجة رضي الله عنها، ثم زواجه المبارك منها رضي الله عنها، وما في ذلك من الدروس والعبر.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اقرأ أيضًا:

اللقاء الأول: نسبه الشريف ﷺ. https://helmy68.blogspot.com/2026/06/blog-post_22.html

اللقاء الثاني: وُلد يتيمًا ﷺ. https://helmy68.blogspot.com/2026/07/blog-post_01.html


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صلوا على النبي ﷺ.

لماذا ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ ...﴾؟ أولاً: لأنه هو عليه السلام الذي سعى باحثًا عن ربه.

مناسك الحج