كيف تكون خيانة الأمانة من أهل الأمانة والالتزام؟
❤️ الأخلاق والسلوك
كيف تكون خيانة الأمانة من أهل الأمانة والالتزام؟
المفارقة التي تثير الحيرة
من أكثر المشاهد إيلامًا في الحياة أن يرى الإنسان الخطأ ممن كان يتوقع منهم الصواب، وأن يشاهد التفريط في الأمانة ممن اشتهروا بحملها والدعوة إليها.
وتزداد الحيرة عندما يتعلق الأمر بالغش في الامتحانات، لا من الطلاب فحسب، بل من بعض المعلمين أو المراقبين الذين يفترض أنهم حراس النزاهة التعليمية وحماة العدالة بين الطلاب.
وهنا يبرز السؤال المؤلم: كيف تتحول الأمانة إلى خيانة على أيدي من يُظن أنهم أهل الأمانة والالتزام؟
الغش ليس مساعدة بل إفساد
يظن بعض الناس أن تلقين الطلاب الإجابات أو التغاضي عن الغش نوع من المساعدة والرحمة، بينما الحقيقة أن ذلك إفساد للعملية التعليمية وإضرار بالطلاب أنفسهم.
فالطالب الذي يحصل على الدرجات بغير استحقاق يُحرم من معرفة مستواه الحقيقي، ويعتاد الاعتماد على الطرق الملتوية بدلًا من الجد والاجتهاد.
وهكذا تتحول المساعدة المزعومة إلى ضرر طويل الأمد يرافقه في دراسته وحياته العملية.
عندما يصبح التغشيش عادة أو شهوة
المؤسف أن بعض القائمين على الامتحانات لا يكتفون بالتساهل، بل يظهر منهم حرص شديد على تمرير الغش وتسهيله، حتى كأنهم لا يشعرون بالراحة إلا إذا فعلوا ذلك.
وقد يتابع أحدهم الطلاب ويوجههم إلى الإجابات أو يهيئ لهم وسائل التحايل، وكأن نجاح مهمته مرتبط بإفساد الامتحان لا بحماية نزاهته.
وهذا السلوك يكشف عن خلل في فهم المسؤولية، وربما عن اعتياد طويل جعل المنكر مألوفًا في النفوس.
أوهام تبرر الخطأ
كثيرًا ما تُصنع للخطأ مبررات تخفف من قبحه في نظر صاحبه.
فمنهم من يقول إنه يريد إنقاذ الطلاب من الرسوب، ومنهم من يدعي أن الأسئلة صعبة أو أن الظروف قاسية، ومنهم من يخشى لوم الإدارة أو أولياء الأمور بسبب انخفاض النتائج.
لكن هذه المبررات كلها لا تغير حقيقة واحدة:
أن الغش غش، وأن تزييف النتائج لا يحل المشكلات بل يخفيها مؤقتًا ويؤجل آثارها السلبية إلى المستقبل.
محاولة إضفاء الشرعية على الخطأ
ومن المَشَاهِد التي تدعو إلى العجب أن بعض من يمارسون هذا السلوك لا يكتفون بفعل الخطأ، بل يحاولون أن يمنحوه صورة من الشرعية أو القبول.
وبعضهم – ولا أدري أيفعل ذلك ببراءة أم بخبث – يستأذن قبل أن يُغشِّش الطلاب، وكأن الاستئذان يغير حقيقة الفعل أو ينقل الغش من دائرة الخطأ إلى دائرة الصواب.
وأعجب كل العجب من هذا المسلك؛ إذ كيف يستأذن الإنسان كي يُغشِّش؟! واعجباه!
إن الاستئذان لا يبدل الحقائق، ولا يغير الأحكام، ولا يجعل الباطل حقًا، كما أن موافقة بعض الناس أو سكوتهم لا تمنح الخطأ مشروعية لا يملكها في الأصل.
فالغش يبقى غشًا، سواء أُعلن عنه أو أُخفي، وسواء سُمح به أو مُنع، لأن معيار الصواب والخطأ لا يتغير بتغير الأهواء والرغبات.
الاستعراض تحت ستار المساعدة
وقد يكون الدافع عند بعضهم نوعًا من استعراض المعرفة والقدرة العلمية.
فهو يشعر بالمتعة عندما يُظهر للطلاب أنه يعرف الحلول أو يمتلك مفاتيح الإجابات، فيتحول الامتحان عنده من ميدان للأمانة إلى فرصة لإبراز الذات.
وهذه صورة أخرى من صور الخلل؛ لأن المعلم الحقيقي يُظهر علمه في الشرح والتعليم قبل الامتحان، أما أثناء الامتحان فوظيفته الأساسية هي حفظ العدالة بين الطلاب.
الخطر الأكبر: عندما يصدر الخطأ من أهل الالتزام
تكون الصدمة أشد عندما يأتي هذا السلوك ممن يُعرفون بالاستقامة أو التدين أو حسن السمعة.
فالناس تنتظر من هؤلاء أن يكونوا قدوة في الصدق والأمانة، لا أن يكونوا سببًا في نشر الغش وتبريره.
إن الالتزام الحقيقي لا يقتصر على المظاهر أو الأقوال، بل يظهر في أداء الحقوق والمحافظة على الأمانات والوقوف عند حدود الواجب، خصوصًا في المواقف التي لا يراقب فيها الإنسان إلا ضميره وربه.
آثار الغش على الفرد والمجتمع
لا تنتهي آثار الغش بانتهاء الامتحان، بل تمتد إلى المجتمع كله. فالطالب الذي ينجح بغير علم قد ينتقل إلى مراحل أعلى وهو يفتقر إلى الأساس العلمي المطلوب، ثم يتخرج ويحمل شهادة لا تعبر عن كفاءته الحقيقية.
وعندما يتكرر هذا الأمر على نطاق واسع تتراجع جودة التعليم وتضعف الثقة في الشهادات والمؤهلات، ويصبح المجتمع كله هو الخاسر الأكبر.
الأمانة العلمية أساس النهضة
إن بناء الأجيال لا يتحقق بالدرجات المرتفعة المصطنعة، بل بالعلم الحقيقي والكفاءة الحقيقية.
والأمانة العلمية ليست قيمة ثانوية يمكن التغاضي عنها، بل هي ركن أساسي في بناء الإنسان والمؤسسات والأوطان.
وكل معلم أو مراقب يؤدي واجبه بنزاهة يسهم في حماية مستقبل المجتمع أكثر مما يظن.
رسالة إلى من بقي عنده بقية من خير
ورسالتي إلى أولئك الذين ما زلنا نظن أن في نفوسهم بقية من خير، وأن ضمائرهم لم تمت بعد، أن يراجعوا أنفسهم قبل أن يشاركوا في هدم قيمة الأمانة.
إن كثرة الممارسين للخطأ لا تجعل الخطأ صوابًا، كما أن قلة المتمسكين بالحق لا تنقص من قيمة الحق شيئًا.
فالخطأ خطأ وإن فعله كل الناس، والصواب صواب وإن لم يفعله غيرك.
ومن كان صاحب مبدأ فلا ينبغي أن يقيس أفعاله بما يفعله الآخرون، وإنما بما يمليه عليه ضميره وما تقتضيه الأمانة التي حُمِّلها.
فالثبات على الحق في زمن التهاون به هو أعظم صور الشجاعة وأصدق علامات الاستقامة.
خاتمة:
إن خيانة الأمانة تبقى قبيحة في كل الأحوال، لكنها تكون أشد قبحًا عندما تصدر ممن يُنتظر منهم حفظ الأمانة وصيانتها.
والغش في الامتحانات، سواء مارسه الطالب أو سهّله المعلم أو سكت عنه المراقب، هو اعتداء على العدل وإضرار بالعلم والمجتمع.
ولذلك فإن الواجب على أهل الفضل والالتزام أن يكونوا أول من يقفون في وجه هذه الظاهرة، وأن يدركوا أن الأمانة لا تتجزأ، وأن أعظم القدوات هم الذين يثبتون على الحق حين تكثر المبررات وتضعف النفوس.

جزاك الله خيرا
ردحذفاللهم آمين وإياكم
حذف