أخبث الناس خُلُقًا.
❤️ الأخلاق والسلوك
أخبث الناس خُلُقًا: من يفسد علاقات الآخرين وهو يحافظ على مصالحه معهم.
مقدمة:
من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي حذر منها الإسلام السعيُ بين الناس بالإفساد، وإيقاع العداوة والبغضاء بينهم، سواء بالنميمة أو نقل الكلام أو التلاعب بالمعلومات وإظهار غير الحقيقة.
ومن أخبث الناس خُلُقًا ذلك الشخص الذي يدفع غيره إلى خصومة الناس ومقاطعتهم، بينما يبقى هو محافظًا على أفضل العلاقات معهم، مستفيدًا من الجميع، وموقعًا غيره في العداوات والخصومات.
أولًا: الإسلام يدعو إلى الإصلاح لا إلى الإفساد.
جاءت نصوص القرآن الكريم مؤكدة على قيمة الإصلاح بين الناس، ومحذرة من كل ما يؤدي إلى التنازع والتباغض.
قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾
[النساء: 114].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾
[الحجرات: 10].
فالأصل في المؤمن أن يكون جسرًا للمحبة، لا معولًا للهدم، وأن يجمع القلوب لا أن يفرقها.
ثانيًا: النميمة طريق الإفساد بين الناس.
كثير ممن يوقعون الآخرين في الخصومات يعتمدون على النميمة ونقل الكلام بصورة تؤدي إلى العداوة وسوء الظن.
وقد قال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة نمام»
متفق عليه.
وقال ﷺ: «ألا أخبركم ما العَضْهُ؟ هي النميمة، القالة بين الناس»
رواه مسلم.
والنمام لا يكتفي بنقل الكلام، بل قد يزيد فيه أو ينقص منه أو يخرجه عن سياقه حتى يحقق غرضه في التفريق بين الناس.
ثالثًا: من صفات المنافقين إفساد العلاقات بين الناس.
إن من أخطر الصفات التي ذمها القرآن السعي في الأرض بالفساد.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
[البقرة: 205].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾
[القلم: 10-11].
وقد ذكر المفسرون أن "مشاء بنميم" هو الذي يسعى بين الناس بالإفساد ونقل الكلام لإيقاع العداوة بينهم.
رابعًا: كيف يعمل صاحب الفتنة؟
هذا الصنف من الناس غالبًا لا يدخل الخصومة بنفسه، وإنما يدفع غيره إليها.
فهو يبالغ في ذكر أخطاء الآخرين، وينقل الكلام بصورة انتقائية، ويُظهر نفسه بمظهر الناصح الأمين، بينما يترك ضحيته تخسر علاقاتها الواحدة تلو الأخرى.
وقد حذر الله تعالى من اتباع الظنون والأخبار غير المُتَثَبت منها،
فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
[الحجرات: 6].
فالتَثَبُت أصلٌ عظيم يحمي الإنسان من الوقوع في ظلم الآخرين أو مقاطعتهم بغير حق.
خامسًا: علامات من يجب الحذر منه.
من أبرز العلامات التي تدل على هذا النوع من الناس:
• كثرة الحديث عن الآخرين في غيابهم،
• نقل الأخبار والأقوال بين الناس،
• إشعال الخلافات تحت ستار النصيحة،
• إظهار الود لكل الأطراف مع تحريض بعضهم على بعض،
• استمتاعه بمتابعة نتائج الخصومات التي تسبب فيها،
• تغيّر كلامه بحسب الشخص الذي يجالسه.
وقد كان السلف الصالح يحذرون من النمام أشد الحذر؛ لأنه يفسد في ساعة ما قد يُبنى في سنوات.
سادسًا: كيف نتعامل مع هذا الصنف؟
العلاج الشرعي يتمثل في أمور عدة:
• التثبت من الأخبار قبل تصديقها،
• عدم قبول النميمة أو الإصغاء إليها،
• إحسان الظن بالمسلمين ما أمكن،
• التواصل المباشر مع من نُقل عنه الكلام،
• الحرص على الإصلاح وجمع الكلمة،
• الابتعاد عن أصحاب الفتن وعدم تمكينهم من التأثير في العلاقات.
قال النبي ﷺ: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا»
متفق عليه.
خاتمة:
إن أخبث الناس خُلُقًا ليس من يعاديك صراحةً فحسب، بل قد يكون من يزين لك عداوة الآخرين، ويغريك بخصومتهم، بينما يحتفظ هو بعلاقاته ومصالحه معهم.
وقد جاءت نصوص القرآن والسنة بالتحذير من النميمة والإفساد بين الناس، والدعوة إلى الإصلاح والتثبت وحسن الظن.
فالسعيد من حفظ لسانه، وأغلق باب الفتنة، وجعل من نفسه سببًا للألفة والمحبة، لا أداةً للفرقة والعداوة.

تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.