الهجرة النبوية ودرس الأخذ بالأسباب.
🌙 في رحاب شهر الله المحرم
الهجرة النبوية ودرس الأخذ بالأسباب.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
مقدمة
تُعد الهجرة النبوية من أعظم الأحداث في تاريخ الإسلام، فهي ليست مجرد انتقال من مكان إلى مكان، ولا مجرد مرحلة تاريخية انتهت بانتهاء زمانها، بل هي مدرسة إيمانية وتربوية متكاملة، امتلأت بالدروس والعبر التي تحتاجها الأمة في كل زمان ومكان.
ومن أبرز الدروس التي نتعلمها من الهجرة النبوية: درس الأخذ بالأسباب مع كمال التوكل على الله تعالى،
وهو درس يحتاج إليه المسلم في عبادته، وفي طلب رزقه، وفي دعوته، وفي جميع شؤون حياته.
التمهيد للهجرة
لقد اشتد أذى قريش للمسلمين في مكة، فكان من رحمة الله تعالى أن أذن النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة،
• وقال عن ملكها: «إن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد» رواه الإمام أحمد وغيره بإسناد حسن.
ثم شاء الله تعالى أن يُهيئ للإسلام أرضًا جديدة ينطلق منها، فكانت بيعة العقبة الأولى ثم بيعة العقبة الثانية، حيث بايع نفر من أهل يثرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام والنصرة،
• فأصبحت يثرب دارًا آمنة للمؤمنين.
وعندما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى يثرب، جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه يستأذن في الهجرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبًا» رواه البخاري.
ففهم أبو بكر رضي الله عنه أن الله قد يكرمه بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الرحلة المباركة،
• فأخذ يعد العدة منذ ذلك الحين.
مظاهر الأخذ بالأسباب في الهجرة
عندما أذن الله تعالى لنبيه بالهجرة، ظهرت صور عظيمة من التخطيط والأخذ بالأسباب، تدل على كمال الحكمة النبوية.
• فقد أعد أبو بكر رضي الله عنه راحلتين للسفر، وهيأ الزاد، واختير دليل خبير بالطريق هو عبد الله بن أريقط، وكان ماهرًا في معرفة الطرق والمسالك.
• كما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته في وقت غير معتاد، واتجه مع صاحبه إلى غار ثور جنوب مكة، مع أن وجهتهما الحقيقية كانت يثرب شمالًا، وذلك تمويهًا على المشركين.
• وكان عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما يأتيهما بأخبار قريش، بينما كان عامر بن فهيرة رضي الله عنه يسير بغنمه خلفه ليخفي الآثار، وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تحمل إليهما الطعام والشراب.
إنها خطة متكاملة جمعت بين حُسن التدبير وكمال الثقة بالله تعالى.
لماذا كل هذه الأسباب؟
قد يتساءل بعض الناس: لماذا احتاج النبي صلى الله عليه وسلم إلى كل هذا الإعداد، وهو الذي أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماوات العُلى في ليلة واحدة؟
والجواب: أن الإسراء والمعراج كانا معجزة خاصة أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، أما الهجرة فكانت تشريعًا وتعليمًا للأمة.
لقد أراد الله سبحانه أن يعلم المسلمين أن سنن الحياة قائمة على الأخذ بالأسباب، وأن التوكل الصحيح لا يعني ترك العمل أو إهمال التخطيط.
فلو شاء الله تعالى لأوصل نبيه إلى المدينة في لحظة واحدة،
ولكنه سبحانه أراد أن يرسخ في نفوس المؤمنين قاعدة عظيمة:
أن المؤمن يبذل ما يستطيع من الأسباب المشروعة، ثم يفوض النتائج إلى الله تعالى.
التوكل الحقيقي
جاء القرآن الكريم ليخلد هذا المعنى العظيم في قوله تعالى:﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].
لقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بجميع الأسباب الممكنة، ومع ذلك كان قلبه مطمئنًا إلى معية الله ونَصره، فلم يعتمد على الأسباب، وإنما اعتمد على رب الأسباب.
ومن هنا نفهم معنى التوكل الصحيح الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته حين قال: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا وتروح بطانًا» رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني.
ولم يقل الحديث إن الطير تبقى في أعشاشها، بل أخبر أنها "تغدو"، أي تخرج وتسعى وتبحث عن رزقها، ثم يعود إليها رزق الله تعالى.
فالتوكل الحق يجمع بين أمرين:
- الثقة الكاملة بالله تعالى،
- وبذل الأسباب المشروعة الممكنة.
◾أما الاعتماد على الأسباب وحدها فضعف في التوحيد،
◾وأما ترك الأسباب بحجة التوكل فمخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
دروس عملية من الهجرة:
أولًا: في طلب الشفاء؛
المرض بيد الله تعالى، والشفاء بيده سبحانه، لكن المسلم مأمور بمراجعة الأطباء وتناول الدواء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء» رواه أبو داود والترمذي.
فالعلاج من الأخذ بالأسباب، أما الشفاء فمن الله وحده.
ثانيًا: في طلب الرزق؛
الرزق بيد الله تعالى، لكن الله أمر بالسعي والعمل.
قال سبحانه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾
[الملك: 15].
فلا يجوز للإنسان أن يقعد عن العمل ثم يزعم أنه متوكل على الله.
ثالثًا: في طلب العلم والنجاح؛
من أراد التفوق والنجاح فلا بد أن يجتهد ويثابر ويأخذ بأسباب التميز،
أما انتظار النتائج من غير جهد فليس من التوكل في شيء.
رابعًا: في الدعوة إلى الله؛
حتى الدعوة تحتاج إلى إعداد وتخطيط وصبر وحكمة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس أخذًا بالأسباب في تبليغ رسالة الله تعالى.
بين الأسباب والاعتماد على الله
من أعظم ما تُعلمنا إياه الهجرة النبوية أن القلب يجب أن يبقى متعلقًا بالله وحده.
- فالسبب لا ينفع بذاته، وإنما ينفع بإذن الله،
- والدواء لا يشفي بذاته، وإنما يشفي بإذن الله،
- والعمل لا يجلب الرزق بذاته، وإنما يرزق الله من يشاء من عباده.
ولهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين كمال التخطيط وكمال اليقين، وبين بذل الجهد الكامل والاعتماد الكامل على الله تعالى.
خاتمة
إن الهجرة النبوية ليست ذكرى تاريخية نستعيد أحداثها فحسب، بل هي منهج حياة يعلمنا أن النجاح في الدنيا والآخرة لا يتحقق بالأماني، وإنما يتحقق بالإيمان والعمل، وبالأخذ بالأسباب مع صدق التوكل على رب الأرباب.
فلنقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه، ولنبذل ما نستطيع من الأسباب المشروعة في جميع أمورنا، مع يقين راسخ بأن التوفيق والنجاح والنصر والرزق والشفاء كلها بيد الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن التوكل عليه، وأن يجعلنا من الآخذين بالأسباب المتعلقين به سبحانه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.