حُسن الإحساس بالناس ووضع النفس مكانهم.
حُسن الإحساس بالناس ووضع النفس مكانهم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما معنى حُسن الإحساس بالناس؟
من أجمل الأخلاق الإنسانية وأرفعها قدرًا: أن يحسن الإنسان الإحساس بالناس، وأن يضع نفسه مكانهم قبل أن يتكلم أو يتصرف أو يحكم عليهم.
فليس حسن الخلق مجرد كلمات لطيفة تقال، وإنما هو شعور صادق يجعل الإنسان ينظر إلى الآخرين بعين نفسه، ويتخيل ما الذي يحبه لو كان مكانهم، وما الذي يكرهه لو وقع عليه.
وهذا الخلق العظيم يجعل صاحبه أكثر رحمةً، وألطف معاملةً، وأبعد عن الظلم والقسوة وسوء التقدير.
قاعدة عظيمة في التعامل مع الناس
من أنفع القواعد في العلاقات الإنسانية أن يسأل المرء نفسه قبل أي تصرف:
"لو كنت مكان هذا الشخص، كيف أحب أن يُعاملني الناس؟"
فإن كان سيُسرُّ بأمرٍ ما، فليبادر إلى إدخال السرور على غيره، وإن كان يتأذى من أمرٍ ما، فليجتهد في ألا يؤذي به غيره.
وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا المعنى العظيم بقوله:
«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». رواه البخاري ومسلم.
وهذا الحديث أصل عظيم في حسن المعاملة، إذ يجعل الإنسان يقيس أفعاله ومواقفه على ما يحبه لنفسه أو يكرهه لها.
تعجيل الخير للناس
كل إنسان يفرح إذا جاءه خبر سار، أو بشرى طيبة، أو منفعة ينتظرها.
بل إنه يتمنى أن تصله هذه الأخبار بأسرع وقت ممكن، وأن يبادر الناس إلى إخباره بها دون تأخير.
فإذا رزق الله الإنسان نجاحًا أو وظيفة أو مكافأة أو فرصة نافعة، فإنه يفرح حين يجد من يسارع إلى تبشيره بها.
ومن هنا كان من حُسن الإحساس بالناس ألا يحتكر الإنسان الخير لنفسه، وألا يؤخر عنهم ما يسرهم دون سبب، بل يبادر إلى إيصال الخير إليهم، كما يحب هو أن يُبادَر إليه بالخير.
فالنفوس مجبولة على حب البشارات والأخبار السارة،
وإدخال السرور على الناس من أعظم القربات.
وقد قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم». رواه الطبراني وحسنه جماعة من أهل العلم.
ومن صور ذلك:
- تبشير الناس بما يفرحهم،
- إعلامهم بالفرص النافعة،
- المبادرة بقضاء حوائجهم،
- مشاركتهم أفراحهم،
- الدعاء لهم بالخير وإظهار الفرح لفرحهم.
التلطف في نقل الأخبار السيئة
وكما أن الإنسان يحب أن يعجل إليه بالخير، فإنه لا يحب أن يُفاجأ بالمصائب أو الأخبار المؤلمة بطريقة قاسية وصادمة.
فإذا كان الخبر مُؤلمًا أو مُحزنًا، فإن النفس تفضل أن يُمَهد لها، وأن يُختار الوقت المناسب لإبلاغها، وأن تُراعى حالتها النفسية وظروفها.
ولهذا كان من الحكمة والرحمة أن يراعي الإنسان مشاعر الآخرين عند نقل الأخبار السيئة، فلا يُلقيها عليهم فجأة دون تمهيد أو مراعاة.
وقد كان النبي ﷺ يختار الألفاظ المناسبة، ويراعي أحوال الناس، ويتلطف معهم في التعليم والنصح والتوجيه، لأن القلوب لها حقوق كما أن للأبدان حقوقًا.
ولذلك ينبغي للمرء:
- أن يتحرى الوقت المناسب للخبر المؤلم،
- أن يختار العبارات اللطيفة،
- أن يمهد للكلام قبل ذكره،
- أن يراعي حالة السامع وقدرته على تحمل الخبر،
- أن يكون معينًا ومواسيًا لا مجرد ناقل للكلام.
لماذا يخطئ بعض الناس في هذا الباب؟
كثير من الناس لا يقصدون الإساءة، لكنهم يتحدثون من زاوية أنفسهم فقط، فلا يفكرون في أثر كلماتهم على الآخرين.
فقد يُؤخر أحدهم خبرًا سارًا يحتاجه غيره، لأنه لا يشعر بقيمته بالنسبة له.
وقد يُلقي خبرًا مؤلمًا بصورة مفاجئة، لأنه لم يتخيل نفسه في موضع المتلقي.
ولو أنه وضع نفسه مكان الآخر للحظات قليلة لتغير أسلوبه، ولأصبح أكثر رفقًا وحكمة.
ثمار حُسن الإحساس بالناس
إذا تعود الإنسان أن يضع نفسه مكان الآخرين أثمر ذلك فوائد عظيمة، منها:
- زيادة المحبة بين الناس،
- سلامة الصدر وحسن المعاملة،
- قلة المشكلات وسوء الفهم،
- تنمية الرحمة والتعاطف،
- اكتساب احترام الناس وثقتهم،
- تحقيق خُلق الإحسان الذي يحبه الله تعالى.
فالشخص الذي يُراعي مشاعر الناس ويَشعر بأحاسيسهم لا ينساه الناس بسهولة، بل يبقى أثره الطيب في قلوبهم زمنًا طويلًا.
خاتمة:
إن حُسن الإحساس بالناس ليس مهارة اجتماعية فحسب، بل هو خلق إيماني نبيل ينبع من الرحمة والمحبة والإحسان.
فمن أحب أن يُعجَّل إليه بالخير فليُعجله إلى غيره، ومن أحب أن يُراعى شعوره عند المصائب والأخبار المؤلمة فليُراعِ مشاعر الناس كذلك.
وهكذا تتحقق الأخوة الصادقة، وتسمو العلاقات الإنسانية، ويعيش الناس في جو من الرحمة والرفق والتفاهم.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا قلوبًا رحيمة، ومشاعر صادقة، وأخلاقًا كريمة، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.