من يوم الجمعة... الاستعداد للجمعة يبدأ من أول نداء للصلاة في يومها.
📖 القرآن والسنة
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].
هذه الآية الكريمة هي أصلٌ عظيم في تعظيم شعيرة الجمعة والاستجابة لندائها، وقد بيّن جمهور المفسرين أن المقصود بالنداء هنا هو النداء الذي يكون عند حضور صلاة الجمعة، حيث يجب على من تلزمه الجمعة أن يترك تجارته وأعماله ويتوجه إلى المسجد.
ولكن المتأمل في التعبير القرآني يجد لطيفةً بديعة تستحق الوقوف عندها؛ فقد قال سبحانه: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾، ولم يقل: "إذا نودي لصلاة الجمعة" أو "إذا نودي للجمعة".
وهذا التعبير يلفت الأنظار إلى عظمة هذا اليوم المبارك، وأن النداء للصلاة واقعٌ في يومٍ له خصوصيته ومنزلته وشرفه عند الله تعالى.
ومن هنا يمكن أن نستنبط معنى تربويًا جليلًا، وهو أن المؤمن ينبغي أن يعيش مع الجمعة منذ طلوع فجرها، لا أن ينتظر حتى يحين وقت الخطبة والصلاة.
فإذا كان يوم الجمعة هو سيد الأيام، وفيه ساعة إجابة، وفيه اجتماع المسلمين على الذكر والطاعة، فإن الاستعداد له يبدأ من أول نداء للصلاة في هذا اليوم، وهو نداء الفجر.
فمنذ أن يسمع المسلم أذان الفجر يوم الجمعة، ينبغي أن يستشعر أنه دخل في يومٍ مختلف عن سائر الأيام:
- يكثر فيه من الصلاة على النبي ﷺ،
- ويحرص على تلاوة سورة الكهف،
- ويجتهد في الذكر والدعاء،
- ويتطهر ويتنظف ويتأهب للجمعة،
- ويهيئ قلبه قبل أن يهيئ ثوبه.
إن كثيرًا من الناس لا يشعرون بالجمعة إلا عند سماع أذانها، بينما المؤمن الفطن يستقبلها من أول ساعاتها، ويجعل يومه كله مرتبطًا بهذه الشعيرة العظيمة.
ولا شك أن ظاهر الآية عند جمهور العلماء يتعلق بنداء الجمعة الذي يجب عنده ترك البيع والتوجه إلى المسجد، لكن التعبير القرآني: ﴿من يوم الجمعة﴾ يفتح باب التأمل في شرف اليوم كله، وأن الجمعة ليست مجرد صلاة تؤدى في ساعة محددة، بل هي يوم إيماني كامل ينبغي أن يُعاش بالطاعة والذكر والاستعداد.
ولذلك كان السلف الصالح يعظمون يوم الجمعة من أول نهاره، ويجعلونه موسمًا للطاعات والقربات، إدراكًا منهم لبركة هذا اليوم ومكانته عند الله تعالى.
فلنجعل أول نداء نسمعه يوم الجمعة ــ نداء الفجر ــ بدايةً لاستعدادٍ إيماني يمتد حتى صلاة الجمعة وما بعدها، حتى نكون من الذين عظموا شعائر الله، واستجابوا لندائه بقلب حاضر ونفس مقبلة على الطاعة.
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾،
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10].
فإذا انتهت صلاةُ الجمعةِ فارجعوا إلى أعمالِكم ومعايشِكم، واطلبوا الرزقَ الحلالَ من فضلِ الله، ولكن لا يشغلنَّكم السعيُ في الدنيا عن كثرةِ ذكرِ الله؛ فإنَّ الفلاحَ ليس في العملِ والكسبِ وحدهما، بل في الجمعِ بين السعيِ والأخذِ بأسبابِ الرزقِ والدوامِ على ذكرِ الله.
ولذلك كان بعضُ السلفِ يستحضرُ هذه الآيةَ عند خروجِه من المسجدِ بعد الجمعة، ومن ذلك دعاءُ التابعيِّ عِراكِ بنِ مالكٍ رحمه الله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ، وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وَانْتَشَرْتُ كَمَا أَمَرْتَنِي، فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ».
ومن اللطيفِ أنَّ الآيةَ بدأت بالذكرِ قبل الصلاةِ في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وخُتِمَتْ بالذكرِ بعد الصلاةِ في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، فدلَّ ذلك على أنَّ يومَ الجمعةِ كلَّه يومُ ذكرٍ وطاعةٍ، قبلَ الصلاةِ وبعدَها.
خاتمة:
وفي ختام الحديث عن يومِ الجمعةِ، والاستعدادِ لها، والسعيِ بعد الفراغِ منها في طلبِ الرزق، مع عدمِ الغفلةِ عن ذكرِ الله تعالى، يتجلَّى المنهجُ الإسلاميُّ المتوازن؛ إذ جمع الله تعالى بين العبادةِ والسعي، وبين طلبِ الرزقِ وكثرةِ الذكر؛ فلا رهبانيةَ تُعطِّل مصالحَ الدنيا، ولا انشغالَ بالدنيا يقطعُ عن ذكرِ الله، وإنما الفلاحُ كلُّ الفلاح في أن يسعى العبدُ في مصالحه، وقلبُه معلَّقٌ بربِّه، ولسانُه رطبٌ بذكره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اقرأ أيضًا:
أفضل ما نستقبل به يوم الجمعة. https://helmy68.blogspot.com/2026/07/blog-post_24.html

تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.