الطريق واضح.. ولكن الهوى فاضح.

🕌 العقيدة والإيمان

🚶الطريق واضح←📖📚

  ••••••• ولكن الهوى فاضح •••••••

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ النبيِّ الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

من الكلمات الجامعة التي تختصر طريق النجاة، وتكشف سبب كثيرٍ من الانحرافات ما نُقل عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال:

«الطريق واضح ولكن الهوى فاضح»
رواه البيهقي في الزهد الكبير.

كلمة يسيرة المبنى، عظيمة المعنى؛ فإن الحق في ذاته واضح، والدين قد أكمله الله، والقرآن محفوظ، والسنة محفوظة، وسبيل الهدى ظاهر، لكن كثيرًا من الناس لا يضلون بسبب خفاء الحق، وإنما بسبب اتباع الهوى.

فالهوى إذا دخل القلب غيَّر الموازين، وزيَّن الباطل، وجعل الإنسان يقدِّم رغباته أو تعصبه أو عاداته أو مصالحه على أمر الله ورسوله ﷺ.

قال الله تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾.

فإذا أردت أن تعرف سبب النجاة وسبب الانحراف، فانظر: هل الميزان هو الوحي أم الهوى؟


سبيل النبي ﷺ واضح قائم على البصيرة

قال الله تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[يوسف: 108]

قال الإمام السعدي رحمه الله:

أي: هذه طريقتي التي أدعو إليها، وهي الطريق الموصلة إلى الله وإلى دار كرامته، المبنية على معرفة الحق والعمل به وإخلاص الدين لله.

وقوله تعالى:

﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾

أي: على علمٍ ويقينٍ وبرهان، لا على جهلٍ ولا تقليدٍ أعمى.

وقوله:

﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

أي: وكذلك أتباعي؛ دعوتهم إلى الله تكون على بصيرة.

ومن هنا نعلم أن الدعوة الحقة ليست دعوةً إلى الأشخاص، ولا إلى الجماعات، ولا إلى الأسماء والشعارات؛ بل هي دعوة إلى الله، وإلى سنة رسوله ﷺ على بصيرة وعلم.


شروط العمل بالدعوة إلى الله

تدل الآية على أن الدعوة لا تقوم إلا على أصولٍ ثابتة:

أولًا: العلم الشرعي

العلم قبل القول والعمل.

فلا يجوز للإنسان أن يتصدر لتعليم الناس وهو لا يعرف أصول الدين، ولا يميز بين الحق والباطل.

قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ… وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وقال بعض السلف:

«العامل على غير علم كالسائر على غير طريق».

والعلم المقصود هنا ليس كثرة المعلومات، وإنما العلم الذي يورث الخشية ويقود إلى العمل.


ثانيًا: صحة مقصد الدعوة

وتدور الدعوة الشرعية على أصلين:

1- دعوة غير المسلمين إلى توحيد الله؛

وهذا أصل دعوة الأنبياء جميعًا.

قال تعالى:

﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.

والدعوة إلى أصل التوحيد وعبادة الله وحده أمر ظاهر، لكن البلاغ يكون على قدر العلم، فلا يتكلف الإنسان ما لا يعلم.

ومن أعظم الأدلة على ذلك وصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:

«إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ».

متفق عليه: رواه البخاري (1395)، ومسلم (19).

وفي الحديث:

  • البدء بالتوحيد،
  • التدرج في التعليم،
  • تقديم الأهم فالمهم،
  • الرفق بالمدعو.

2- تعليم المسلمين أمور دينهم وتصحيح عبادتهم

فالناس بعد التوحيد يحتاجون إلى العلم والعمل والتزكية.

وهذا الباب يحتاج إلى علمٍ وبصيرةٍ وصبر.

ومن أوضح الأمثلة:

إرسال النبي ﷺ مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى المدينة بعد بيعة العقبة الأولى.

قال ابن إسحاق:

«بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين».

فكان يُسمى المقرئ بالمدينة.

فالداعية الحق ليس مجرد متحدثٍ مؤثر، بل مربٍّ ومعلِّم ودالٌّ على الله.


فهل نحن على هذا الطريق؟

هذا سؤال يحتاجه كل مسلم قبل أن يوجهه إلى غيره:

هل نتعلم قبل أن نتكلم؟

هل ندعو إلى الله أم إلى أنفسنا؟

هل نفرح بظهور الحق ولو على ألسنة غيرنا؟

هل إذا ظهر الدليل رجعنا إليه؟

إن الدعوة إلى الله ليست كثرة المتابعين، ولا حُسن العرض، ولا الانتصار للأسماء والشعارات.

بل حقيقتها:

العلم، والإخلاص، والاتباع.


صور من فساد الهوى في باب الدعوة

الصورة الأولى: التعصب والانتصار للنفس

فيجعل الإنسان الدعوة وسيلة لجمع الأتباع أو الشهرة أو الانتصار لرأيه،

والداعية الموفق يفرح بانتشار الحق ولو لم يُنسب إليه.


الصورة الثانية: التصدر قبل التأهل

فيتكلم في الدين بلا علم،

وقد يؤدي ذلك إلى مخالفة النصوص أو تنزيلها في غير موضعها.

قال ﷺ: «لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». متفق عليه.

وبيَّن أهل العلم أن المقصود اختصاص هذه المساجد بمزية السفر إليها لطلب فضل الصلاة فيها.

فتجده يشد الرحال إلى أي مسجد، بالطبع لا لفضل الصلاة فيه لأنه لا فضل للصلاة في مسجد سوى المساجد الثلاثة المذكورة، وليته لطلب العلم أو لتعليم العلم فلا هذا ولا ذاك. 

فقط قد يترتب على هذا الخروج غير المنضبط: تضييعُ حقوقٍ واجبة، أو تقصيرٌ في حق الأهل ومن تلزمه نفقتهم ورعايتهم، وقد قال النبي ﷺ: 

«كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ».

مع أن الدعوة لا ينبغي أن تكون سببًا لتضييع الحقوق، أو التقصير في الواجبات، أو إزعاج الناس، أو إشغالهم بما لا ينفع.

وقوله ﷺ: 

«بلِّغوا عني ولو آية»

لا يعني الكلام بلا علم، وإنما تبليغ ما ثَبُت وعُلِم على وجهه الصحيح.


الصورة الثالثة: الغلو في الأشخاص أو الأعمال غير المشروعة

فيتعلق بعض الناس بالأشخاص، أو يرفعهم فوق منزلتهم، فيطلب منهم ما لا يُطلب إلا من الله، فيتوجه بالدعاء أو الاستغاثة إلى غير الله، أو يجعل الدين تابعًا للعادات والأهواء.

والمؤمن مأمور أن يجعل عبادته، ودعاءه، وخوفه، ورجاءه، وتوكله لله وحده.


خاتمة:

إنَّ الطريقَ إلى الله ليس غامضًا؛

فالقرآنُ محفوظٌ لنا،

وسُنَّةُ النبيِّ ﷺ حاضرةٌ بين أيدينا،

وكلامُ أهلِ العلمِ يُبيِّنُ معالمَ الطريق.

لكن يبقى السؤال:

هل نريدُ الحقَّ فعلًا؟

أم نريدُ ما يوافقُ أهواءَنا؟

فالحقُّ واضح…

ولكنَّ الهوى فاضح.

اللهم ارزقنا الإحسانَ في توحيدك، والإحسانَ في عبادتك، والإحسانَ في اتِّباعِ سُنَّةِ نبيِّك ﷺ، واجعلنا من الدعاةِ إليك على بصيرة.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

     ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اقرأ أيضًا: 

إذا أردت التعرف إلى أصل العقيدة الإسلامية وأعظم حق لله على عباده، 

فاقرأ مقالنا: 

التوحيد حق الله على العبيد: معناه وأهميته وفضله في القرآن والسنة.
رابط المقال/
https://helmy68.blogspot.com/2026/04/blog-post_16.html


واقرأ:

• الفرقة الناجية.  https://helmy68.blogspot.com/2026/08/blog-post_10.html

تعليقات

  1. اللهم اهدنا الصراط المستقيم وصل الله على سيدنا محمد

    ردحذف

إرسال تعليق

يسعدنا رأيك، ونرحب بتعليقك البنّاء، مع الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صلوا على النبي ﷺ.

لماذا ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ ...﴾؟ أولاً: لأنه هو عليه السلام الذي سعى باحثًا عن ربه.

مناسك الحج